محمد الوشيحي

زمن عبّود… امممم أووو يييي

كما تفاخر مدينة فلورانس الإيطالية بمبدعيها، تفاخر مدينة الصباحية الكويتية بعظمائها وعباقرتها. أحد عظمائها، لم أقل آخرهم، هو النائب في المجلس الحالي ناصر الشمري، وهو نائب خارق، والخارق كما يقول الحكماء “هو من يخرق قوانين الطبيعة ولا يتصرف كسائر البشر”، والنائب ناصر خرق قوانين الطبيعة وقام بالتوقيع على مقترح من دون أن يقرأه، حفظه الله.
عظيم آخر هو “عبّود”، وهو اسم الدلع لأحد عظماء الصباحية قطعة واحد وعلمائها، كان فاشلاً بامتياز في المدرسة، وكان لا يعرف من اللغة الإنكليزية إلا “يس” و”نو” والأعداد من الرقم صفر إلى الرقم عشرة، ومع ذا كان لا يعوقه عائق في الترجمة، ولعظمة موهبته تولى الترجمة للشباب أثناء السفر، وكان من عشاق شرق آسيا، وكان ذا نخوة وذا نزعة قومية عربية، وعلى استعداد للاستيقاظ من نومه لمساعدة أي عربي علق مع أحد الشرق آسيويين ودخل معه في حيص بيص لغوي.
“يس” و”نو” والأعداد وأصابع اليدين ورموش العينين وبعض التأوهات مثل امممم آآآ يوووه بااااه، هي كل ما يحمله عبود في مزودته من “عدة الشغل”، فإذا ذهب إلى فندق بقصد حجز غرفة لمدة ثلاثة أيام، أطلق لتأوهاته العنان: “اممممم ثري اوووو” ثم يغمض عينيه دلالة النوم، ويفرك إبهامه بسبابته للاستفسار عن المبلغ، ولا تنتهي المهمة قبل ترديد كلمة نوووو نوووو وضم الكفين أمام الوجه على الطريقة الهندية لتخفيض المبلغ.
الغريب أن “لغته” يفهمها الجميع بلمح البصر، في حين يدوخ بقية الشباب مع التايلنديين السبع دوخات، وغالباً ما تفشل مهامهم. وبعد ذيوع صيته وانتشار شهرته، استدعيناه، نحن الذين لم نسافر معه، للاستفسار منه عن طريقته، فطلب منا إعطاءه أي جملة نختارها ليتولى ترجمتها لإقناعنا بقوة لغته، فأعطيناه عدداً من الجمل فشرحها بلغته الخاصة وبلمح البصر فإذا هي واضحة سهلة المفردات.
كبر عبود، وخبأته الدنيا عنا تحت عباءتها، ولا أدري إن كان قد تزوج “وصار عنده أولاد” كما تغني فيروز أم بقي على حاله يتنقل بين المواخير والحانات، لكنني سأبحث عنه لمساعدتي في توصيل أفكاري في المقالات وفي البرامج من دون أن أتعرض للسجن والغرامات الخيالية التي يفرضها قانون الإعلام الموحد.
تداركنا يا عبود يرحمك الله، تداركنا أيها العروبي الصبحاوي الشهم، وافتح معهداً لتعليم لغتك العبقرية كي لا نقع في شَرَك هذا القانون الإممممممم يوووه ييييي.
إنه زمن عبود يا صاحبي.

حسن العيسى

أشعر بالقرف

 «شوف وجه العنز واحلب لبن»، قفز بذهني هذا المثل الكويتي بعد أن قرأت ملاحظات بعض أعضاء اللجنة التعليمية بمجلس «تابعه قفه» التشريعي، حول مشروع قانون الإعلام الجديد المقدم من حكومة «لا صوت يعلو فوق صوت السلطة»، وأيقنت أن الإعلام الكويتي سيحلب «لبن السلطة المعفن»، وستوارى تحت الثرى مرة واحدة وللأبد بقايا «نثريات» الحريات الإعلامية، وستصبح صحفنا وقنوات التلفزيون والمواقع الإعلامية مرايا مظلمة عاكسة لإعلام «… وصل… واستقبل… وودع» الرسمي. أما المغردون الشباب فيصبحون غرباناً ينعقون مأساتهم حين يختم نواب «تابعه قفه» مصدقين على قانون سواد الوجه الإعلامي.
لم تكتف هذه السلطة التي تدير الدولة وكأنها «ياخور» غنم في حيازتها بقوانين الجزاء بجميع أشكالها الإرهابية، ولا بالعقوبات التي نص عليها قانون المطبوعات والنشر الساري، فتقدمت بهذا المشروع الذي سيقطع أصابع الكتاب، ويخصي عقول الناس، حتى يكتمل مشهد البشر القطيع في حظائر أولي الأمر الرعاة، الولاة، الآباء.
مشروع «دراكو» الإعلامي، لم يكتف بالعقوبات المالية التي تصل إلى مئات آلاف الدنانير، وتفلس كل من يتجرأ على قول كلمة «لا» لسلطة «الكمال» الأوحد، بل إنه يزيد «الجيلة» فوقها بالعقوبات المصادرة للحرية، ليس فقط في نصوص مشروع وحش فرانكشتين ذاته، بل بالإحالة على قوانين القمع السارية بعبارة مثل «… مع عدم الإخلال بأي عقوبة ينص عليها قانون آخر، يعاقب كل من…» ويمضي نص المادة 84 لتعداد الحالات الموجبة للعقاب، وهو يكاد ألا يستثني أحداً من أهل الإعلام، فأضحى الحظر والقهر هما القاعدة، والحرية هي الاستثناء.
كان أولى بالسيد وزير الإعلام، الشيخ ابن الشيخ، أن يصمت ولا يعلق أبداً، على مشروع أهله وعشيرته ومستشاريهم من ترزية الاستبداد، ومن فصيل شعار “قول… عاوز إيه، وأنا اعمله وافصله على المقاس….”، لكن نسي نفسه وأخذ يردد بلا معنى أن القانون لا يفرض عقوبات بدون حكم القضاء! “يحليلك يا شيخ وينك في”، فكل العقوبات لا تصدر بدون أحكام القضاء، فالمحاكم تُعمل القانون، ولا تخلق القانون في مثل نظامنا القانوني، وهي لا تملك من أمرها شيئاً، بالعادة، عندما يكون القانون  جائراً وظالماً…
يبقى هناك كلمة أخيرة لكل مسؤولي وسائل الإعلام الخاصة، فلن يكون مجدياً مانشيتات ومقالات نقد موسمية لمثل هذا الإرهاب الإعلامي وتنسى فيما بعد بوعد عقد مالي أو تهديد سلطوي، فمنذ متى أصبحت السلطة تسمع كلمة العقل، وتنصت لصوت الحرية، فكروا في وسائل أخرى كإضراب الصحف والقنوات وبقية وسائل الإعلام الضحايا القادمة، أو إخراج صفحات بيضاء في حال الإصرار على مشروع القانون… تحركوا، انهضوا، اعتصموا، ضحوا قليلاً، اصرخوا بصوت عال ليسمع  العالم عن ملهاة الحرية في دولة بني نفط، قولوا بنبرات اليقين: إن الصحافة الحرة هي ضمير الأحرار وليست أثواب رياء وتدبيج آيات نفاق مزركشة لأهل الحكم… عل وعسى أن تحصلوا على بركاتهم وعطاياهم.
كم أشعر الآن بالغثيان في وطني، أشعر بحزمة ثقيلة من القرف تجثم فوق صدري.
ملاحظة على مقال أمس الأول: اسم الكاتب المحلل لاقتصاديات النفط  بموقع “الآن”  الصحيح هو الزميل والصديق كامل حرمي، أخطأت سهواً وسميته كامل العوضي… عذراً.

احمد الصراف

مائة إسرائيل وألف استعمار

لم تتخلف إلا لأن نظامها التعليمي متخلف، ولا أمل في التقدم من الإكثار في العبادات أو بتركها، ولا بالدعوات الصالحات ولا بعكسها، ولا ببذل الخير أو بالبعد عنه، ولا بأي طريقة أخرى خلاف التعليم المميز! فقد هاجمتنا مختلف الأوبئة والأمراض لنقص معرفتنا بوسائل النظافة وطرق الوقاية، وغرقت سفننا لعدم كفاية درايتنا «التعليمية» بفنون الملاحة وتقلبات الجو، وخسرنا تجارتنا لقلة علمنا بعلوم الحساب، وانهزمنا في كل معاركنا لتفوق أعدائنا علينا، بعلومهم! وضاعت منا أشياء كثيرة يوم هجرنا العلم واحتمينا بالتعصّب وآمنا بالخرافات! ولو نظرنا لأكثر الأماكن رهبة وهيبة لوجدناها الأكثر تمسكا بالتقاليد، وبعدا عن العلوم الحديثة، وبالتالي لا مجال لإحداث أي تطور أو تغير نوعي على حياتنا، كتحسين قدرات الأمة ودفعها للعمل الخلاق، بغير معرفة العلوم الصحيحة، فغياب هذه المعرفة مثلا هو الذي سهل موافقة «النخبة السياسية» على قوانين وأنظمة كثيرة متخلفة وخطيرة بتبعاتها كقانون إسقاط فوائد القروض، الذي ستكون له تداعيات سلبية عميقة! فغريب أن يتصرف «أب»، على اعتبار أن النخبة المتمثلة في مجلسي الوزراء والأمة هما أب وأم هذا الشعب، بمثل هذا التهور وقلة الإحساس بالمسؤولية عندما يتعلق الأمر بمصلحة هذا الابن ومستقبله ورفاهية أبنائه من بعده! فلو أدرك هؤلاء الآباء النتائج الخطيرة التي ستترتب مستقبلا على قانون إسقاط فوائد القروض، لما أقروه أساسا، ولكن ما العمل وهم على ما هم عليه من…؟!
تقول قارئة وطبيبة معروفة إنها كانت تقوم بتدريس ابنتها التي تبلغ العاشرة عندما وقع نظرها على صفحة 55 من كتاب اللغة العربية للصف الرابع في موضوع تعلق بحث الأطفال على العطاء والتطوّع! وتقول إنها سعدت لوجود مواد في المنهج تساعد على غرس قيم أخلاقية عالية طالما افتقدناها في مجتمعاتنا، كالتطوع والتبرع بالدم، ولكن سعادتها لم تطل كثيرا، فقد وجدت مدى ما تضمنته المادة من تخريب، بغية تحقيق أغراض «سياسية» محددة! فقد طلب الدرس من التلميذات وضع علامة ( ) أمام أحد الخيارات التالية: إعطاء مال للمتسولين. التطوع في الهلال الأحمر. السفر للخارج بحثا عن المحتاجين. التبرع بالدم لبنك الدم. تقديم المال للمؤسسات الخيرية. وتقول إن ابنتها اختارت التبرع لجمعية خيرية، لأن المدرسة أوحت لهم بأن هذا الخيار هو الوحيد الذي يتيح لهم دخول الجنة! ثم يأتي من يعتقد بأننا، وبمثل هذا المستوى الهابط من التعليم والتربية سنتمكن يوما من هزيمة أعدائنا، ولن أفترض أن إسرائيل بينهم، فهذا حقا أمر «حامض على بوزنا»! إضافة إلى أن أعداء الداخل، وما أكثرهم، أشد فتكا وضررا من مائة إسرائيل وألف استعمار!
* * *
• ملاحظة: تبلغ القيمة السوقية لـ«غوغل» اليوم 249 مليار دولار! علما بأن الشركة لا تمتلك أي أصول صلبة، ولا مناجم ولا مصانع ولا عقارات، بل فقط ما في عقول مديريها من علوم!

أحمد الصراف
[email protected]