محمد عبدالقادر الجاسم

أفكار منتهية الصلاحية!

بمناسبة مرور عام كامل على تقديم طلب ترخيص توزيع كتابي “في طريقي إلى السجن” إلى وزارة الإعلام، وعدم صدور قرار بالسماح بتداوله أو منعه حتى الآن، أنشر هنا مقتطفا من مسودة الكتاب.

(… لا أعلم كم كانت الساعة، لكن الوقت كان مبكراً حين تم إبلاغي بأن زوجتي وأبنائي يجوبون ممرات المستشفى بحثاً عني.. كانوا يأملون برؤيتي قبل نقلي إلى السجن. حضروا إلى المستشفى في الساعة السادسة صباحاً.. سمح لهم العسكري الموجود عند الحاجز الأول بالدخول، يبدو أنه لم يدقق في سبب حضورهم.. وصلوا رواق المستشفى.. سألوا عني.. لم يحصلوا على إجابة، ثم أبلغهم أحد الأشخاص أن الزيارة ممنوعة، ورفض إخبارهم عن مكان وجودي، قائلا لهم: «لو كان ابني مكانه لما استطعت رؤيته.. هذه هي التعليمات». قرروا التفرق والبحث عني خلسة. نجحت ابنتي في معرفة مكاني إذ أبلغها أحد العاملين هناك منبهاً إياها إلى عدم الإشارة إليه.. نعم كانت هكذا هي الأمور.. تعليمات مشددة كما لو كنت مجرماً خطيراً!

قالت لي ابنتي لاحقاً وهي تروي قصتها: «تمكنت من الوصول إلى الدور الذي كنت فيه.. لم يكن جناح القلب، كنت المريض الوحيد في هذا الجناح.. كان هناك أربعة من عناصر الشرطة العسكرية عند مدخل الجناح.. رغم إلحاحي عليهم، إلا أنهم منعوني من الدخول.. سألتهم عن غرفتك، أشاروا إليها.. كان أكثر من عسكري تابع للشرطة العسكرية أيضاً يقف عند باب غرفتك.. أجروا اتصالات عدة، ولكن النتيجة كانت واحدة.. كانوا يقولون «لا يحق لكم زيارته». وتضيف ابنتي: «بعد محاولات استمرت نحو ساعتين، فقدنا الأمل برؤيتك، فعدنا إلى المنزل مهمومين يتملكنا الحزن والضيق»!

كان الوقت يمضي ببطء شديد.. لا أحد يعرف موعد نقلي إلى السجن.. أجلس على السرير.. أستلقي عليه.. أتحرك في الغرفة.. الباب مغلق ولا أعلم شيئاً عما يدور في الخارج.. كنت أقف قرب النافذة أنظر إلى مواقف المستشفى.. ربما أشاهد القوات الخاصة وهم يقتربون.. لا شيء مثير، فأعود إلى السرير فيما وتيرة القلق تتصاعد حتى حان الموعد.. أخيراً وصل رجال القوات الخاصة، لا أذكر عددهم لكنهم كانوا بكامل عدتهم كما لو أنهم في عملية عسكرية. كنت أرتدي «الدشداشة والغترة والعقال».. تم وضع الأصفاد في يدي وبدأت الرحلة إلى السجن المركزي.

كنت أسير في أحد الممرات في المستشفى العسكري، وفيما كان يحيط بي رجال القوات الخاصة التابعة للشرطة، خرج عسكري تابع للجيش يحمل رتبة عالية، وإذ به يصرخ بحدة تنم عن ضيق وغضب شديد.. «لماذا تنقلونه هكذا أمام الناس؟ هل تتعمدون إهانته؟ لماذا لا تخرجونه من باب كبار الشخصيات..»، هكذا صاح برجال القوات الخاصة، ثم طلب مني الجلوس على أحد الكراسي في الممر ريثما يتم فتح باب كبار الشخصيات وإحضار السيارات.. كان رجال القوات الخاصة يبررون عملهم بأنهم لا يعرفون سوى الباب الرئيسي وأنهم لا يتعمدون التجول بي أمام الناس.. وفي هذه الأثناء مرت بقربي ممرضة فناديتها وزودتها برقم هاتف زوجتي وطلبت منها الاتصال بها لإبلاغها بنقلي إلى السجن المركزي وبأنني بخير.

بعد وقت قصير، تم إخراجي من المستشفى العسكري من باب كبار الشخصيات مقيد اليدين.. لاحظت وجود ثلاث سيارات، على الأقل، تابعة للقوات الخاصة.. كنت في السيارة الثانية برفقة أربعة من رجال القوات الخاصة. جلست وسط المقعد الخلفي بين اثنين منهم.. تحرك الموكب.. كانت هناك سيارة في مقدمة الموكب وسيارة في المؤخرة، لم يستغرق الوصول إلى السجن المركزي وقتاً طويلاً، فقد كانت الساعة تقترب من الثانية ظهراً، وطريقي إلى السجن المركزي كان «سالكاً» كما بدا.

وفي طريقي إلى السجن، بدأت استكشف مقدار عزمي وثباتي من الداخل، أما خصومي، فإنني أعرفهم جيداً.. سلطتهم تجعلهم أقوياء من الخارج، لكنهم من الداخل.. ضعفاء جداً!)

ملاحظة:الكتاب لا يستحق المنع، لكنها عقلية سياسية متخلفة تلك التي تمنع نشر كتاب!

آخر مقالات الكاتب:

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *