محمد الوشيحي

مخيم كيفان…

هولندا الشقيقة تعاني الأمرين وأكثر. فقبل سنوات تلقت بلدية إحدى مدنها رسالة غاضبة من مواطنة تحتج على عدم وجود أو عدم كفاية دورات المياه الخاصة بالمعاقين في بعض المطاعم، فجاء رد السلطات: "نعتذر، وستتم معالجة الخطأ"، وتم ذلك في عجالة.
وفي الكويت الثرية الشقية (سقط حرف القاف عمداً وقرفاً) يطرح رئيس البرلمان استفتاء عن أولويات المواطنين، فتظهر النتائج، على ذمة الراوي، والراوي هو رئيس البرلمان، كالتالي: الإسكان فالصحة فالتعليم!
والبعيد عن الكويت يتوقع أن الطفل المولود، بمجرد انتهائه من صرخة الولادة، يتسلم أوراق منزله، ويظن (البعيد عن الكويت) أن "مايو كلينيك" الموجودة في ولاية مينيسوتا هي الفرع، بينما المبنى الرئيسي موجود في ولاية المنقف خلف المضخة…
البعيد عن الكويت لو قلت له إن المرضى يتلقون العلاج في ممرات المستشفيات لعدم وجود أسرّة تكفي، لصفعك بظهر يده ومشى وتركك تفرك مكان الصفعة… البعيد عن الكويت لو قرأ مناهج التعليم لظن أنها مناهج الصومال أو تنزانيا.
البعيد عن الكويت، يتوهم أن حكومة الكويت انتهت من حل كل المشاكل، وجلست تستمع وتستمتع بأغاني صابر الرباعي، بعد أن زرعت كل الطرق، وشقت الجداول وأنشأت البحيرات الصناعية، وأقامت عليها المتنزهات، لكن الكويتيين اختلفوا على لون الورود، وعلى لون المظلة التي تظلل الكويت صيفاً، وعلى تصميمها.
ونقول للمتفائل البعيد عن الكويت: "خليك بعيد خليك بلاش تقرّب"، بلاش تقرّب وتكتشف أن جامعة الكويت اليتيمة لا مواقف فيها للسيارات، وقاعات المحاضرات فيها لا تختلف كثيراً عن مخيم اليرموك، والمبنى الرئيسي لوزارة الداخلية يغبط مكب النفايات في لندن على نظافته، ومطارها الوحيد يسبب القرف للكلاب الضالة، ويا ليل يا عين. 
حسن العيسى

جينيه بشاتيلا وبالغوطة

"إن المذابح لم تتم في صمت، وتحت جنح الظلام، فقد كانت الآذان الإسرائيلية، مضاءة بصواريخها المنيرة، مصغية إلى ما يجري في شاتيلا، ذلك من مساء الخميس. يا لها من حفلات ومن مآدب فاخرة تلك التي أقيمت حيث الموت، كان يبدو كأنه يشارك في مسرات الجنود المنتشين بالخمرة والكراهية. ولا شك أنهم كانوا منتشين أيضاً بكونهم نالوا إعجاب الجيش الإسرائيلي الذي كان يستمع وينظر، ويشجع، ويوبّخ المترددين في قتل الأبرياء…". الفقرة السابقة كانت لعملاق الأدب الفرنسي الراحل جان جينيه، يصف فيها مشاهداته الحية لما حدث في مثل هذا اليوم قبل إحدى وثلاثين سنة في صبرا وشاتيلا.
  جان جينيه هو اللص السابق، وابن الحرام، وهو الشاذ الجنسي، ابن الطريق، الذي قال "ولدت في الطريق وسأموت في الطريق". إلا أنه في الوقت ذاته وقف مع المضطهدين والمهمشين، أينما كانوا، من الفهود السود في أميركا الستينيات إلى حركة تمرد ١٩٦٨ 
(ثورة الطلاب) بأوروبا، وظل وفياً للثورة الفلسطينية وللقضية العربية حتى آخر لحظات حياته، مشاركاً معها في السبعينيات حتى "أيلول" الأسود، ثم عاد بعد أكثر من عشر سنوات لينقل لنا أبشع صور مجازر صبرا وشاتيلا في كتابي "شعرية التمرد"، و"مذكرات أسير عاشق"، وكان قد تجاوز السبعين عاماً من العمر الشقي.
    توفي جينيه في منتصف الثمانينيات، ودفن في بلدة صغيرة بالمغرب، وهو البلد الذي عشقه بعنف. ماذا لو كان حياً حتى أيامنا هذه، ورغم أن التاريخ لا يعرف كلمتي "ماذا لو"، فإن لنا أن نتخيل ماذا يمكن لمثل هذا الشاعر الأديب الفرنسي أن يقول عن واقعنا اليوم، وأين سيكون؟ سنراه طبعاً في كل مكان تتعالى فيه أصوات الحرية والنضال نحو السماء. بالتأكيد سيكون في تونس الثورة، وسيكون أول الراثين لمحمد البوعزيزي. بعدها، سيكون في مصر في قلب ثورة يناير ليقف مع الثوار عام ٢٠١١، وسيكون في صنعاء في العام نفسه، وسيكون في رابعة العدوية في يوليو الماضي، متحدياً قوات "الثورة الانقلابية" للنظام العسكري، وسيكون في ريف سورية، وسيزور "الغوطة" ليصف لنا مشاهد الأطفال المختنقين من قذائف بشار الكيماوي المتأسي بعلي الكيماوي بمثل ما وصف لنا مجازر صبرا وشاتيلا. سيرى في جنرالات بشار امتداداً عرقياً وروحياً لثقافة إيلي حبيقة قائد القوات اللبنانية، وقيادات الكتائب وسامي حداد الذين باشروا طقوس الذبح والصلب في شاتيلا حين اتهموا الفلسطينيين بتدبير تفجير سكن بشير الجميل وقتله، رغم الأدلة على أن الجاني كان النظام السوري، وسيقف جينيه مع المشردين السوريين في الداخل والخارج، وسينقل لنا كل مشاهد الجوع والحرمان للكثير منهم، وسيروي لنا عن مساعدات دول الخليج للثوار في سورية وما يرافقها أحياناً من طقوس عقود زواج "الحلال" لصغيرات من اللاجئات السوريات الجميلات من بعض أهل الخير من كهول بني نفط حين أرادوا الستر عليهن، ولتخف عليهن وطأة ضياع الوطن والسكن عبر بوابة إشباع الرغبات الجسدية الآفلة لمن هم في خريف العمر.
 سيحار جان جينيه من أين يبدأ وأين ينتهي في خرابنا العربي، لكني أذكر هنا حين أخبره الكاتب المسرحي السوري الراحل سعدالله ونوس بأن نيكسون سيزور القاهرة، كان رد جان جينيه حاسماً 
وبأسى: "سيظل تاريخكم نزيفاً من الشقاء والدم، حتى ينضب نزيف البترول"، فهل تحققت نبوءة أديب النضال أم لا؟… عندكم الجواب.
احمد الصراف

السير مع فيليب

“>
قررت وأم طارق، وصديقنا فيليب السفر إلى ماربيا للالتحاق بمعهد صحي رياضي بغية التخلص مما تراكم لدينا، على مدى سنين من أوزان زائدة، وذلك استعدادا لحفل كبير نزمع القيام به. ظروف خاصة دفعت أم طارق للاعتذار عن مصاحبتنا، ربما من بينها رشاقتها، مقارنة بوضعينا، فانطلقت وفيليب للمعهد الذي وقع الاختيار عليه، بين عدة معاهد صحية، وهناك تبين لنا أننا سنكون كالمساجين بين اسواره، كما أن شروط المعهد تتطلب خضوعنا لجلسات علاج نفسية مع «طبيب نفسيكي» أو Shrink بمعدل جلستين إلى 3 اسبوعيا، لمساعدتنا في معرفة سبب «سمنتنا المفرطة»، وتحضيرنا «نفسيكيا» لعدم العودة لها بعد فقدها! كما أن المبلغ المطلوب منا دفعه للمعهد، إضافة إلى ضرورة اعترافنا باختلالنا عقليا، سد نفوسنا من الإقدام على التجربة، وفتح شهيتنا اكثر للطعام، وكل هذا دفعنا لأن نسأل انفسنا قائلين: إن تخفيض الوزن بحاجة لإرادة قوية للامتناع عن عادات تناول طعام وكسل اعتاد عليها طوال عقود من الزمن، فإن كانت تلك الإرادة موجودة لدينا فما الفرق بين المكوث داخل «أسوار» المعهد الصحي أو في الخارج؟ وهل نحن بحاجة فعلا لكل هذه المعاناة وهذا الصرف؟ ولم لا نعتمد على أنفسنا؟ وهكذا كان، حيث قمنا بترتيب امورنا على السكن منفصلين، وخارج محيط الفنادق، لكي لا نشجع بعضنا بعضا على الأكل أو الضعف أمام خدمة الغرف. كما قمنا بشراء كميات بسيطة من الأطعمة ذات السعرات الحرارية المنخفضة، وتعاهدنا على أن نأكل القليل ونمارس الرياضة أكثر… وبدأت رحلة التحدي مع النفس ورفض المشهيات والمغريات من أطعمة و… مشروبات! ولم يكن الأمر سهلا في البداية، ولكن بعد اليوم الثالث اصبح السير يوميا لمسافة تزيد على العشرين كيلومترا أمرا عاديا، ونجحنا مع نهاية الأسبوع في قطع مسافة تزيد قليلا على الثلاثين كلم في يوم واحد، وإن على فترات متقطعة! ولكن المتاعب سرعان ما بدأت بظهور التهابات ما بين أصابع القدمين تبعها تشقق الكعبين، وآخرها «أبو زليغه»، وبالتالي تكررت زياراتنا للصيدلية القريبة! وبعد معاناة وصبر وتعب تبين لنا أن مسألة التخلص من الشحوم التي تراكمت على منطقة الوسط، وما أدراك ما الوسط، على مدى نصف قرن، عملية ليست هينة، ودونها الجبال الرواسي، وأن السير لعشرين أو لاربعين كيلومترا في اليوم لا تعني شيئا للجسم، الذي يقوم في هذه الحالة بتحويل الشحوم لعضلات، فالجسم يرفض أن يفقد وزنه، إن لم تحرمه مما اعتاد على تلقيه من كمية طعام. وهكذا دخلنا في مرحلة حرمان أكثر وعرق اكثر وتعب أكثر وأكثر! وفي النهاية، وبعد معارك شرسة مع النفس، وقطع مئات الكيلومترات سيرا، أصبحنا نشعر بأننا أفضل صحيا، واقل وزنا، وأفضل نوما وأقوى عزيمة على الاستمرار في ممارسة الرياضة. ووصلنا لقمة صغيرة غير عالية، ولقناعة بأن «التزحلق» عنها سهل متى ما تناسينا ما تعاهدنا عليه من ضبط النفس، وهنا مكمن الصعوبة والتحدي الحقيقي. ننهي المقال بالقول ان ممارسة الرياضة اكثر من مهمة لاي شخص وفي اي سن، والأهم من ذلك مراقبة ما نضع في جوفنا من طعام، كما وكيفا!

أحمد الصراف
[email protected]
www.kalamanas.com