محمد عبدالقادر الجاسم

أفكار منتهية الصلاحية!

بمناسبة مرور عام كامل على تقديم طلب ترخيص توزيع كتابي “في طريقي إلى السجن” إلى وزارة الإعلام، وعدم صدور قرار بالسماح بتداوله أو منعه حتى الآن، أنشر هنا مقتطفا من مسودة الكتاب.

(… لا أعلم كم كانت الساعة، لكن الوقت كان مبكراً حين تم إبلاغي بأن زوجتي وأبنائي يجوبون ممرات المستشفى بحثاً عني.. كانوا يأملون برؤيتي قبل نقلي إلى السجن. حضروا إلى المستشفى في الساعة السادسة صباحاً.. سمح لهم العسكري الموجود عند الحاجز الأول بالدخول، يبدو أنه لم يدقق في سبب حضورهم.. وصلوا رواق المستشفى.. سألوا عني.. لم يحصلوا على إجابة، ثم أبلغهم أحد الأشخاص أن الزيارة ممنوعة، ورفض إخبارهم عن مكان وجودي، قائلا لهم: «لو كان ابني مكانه لما استطعت رؤيته.. هذه هي التعليمات». قرروا التفرق والبحث عني خلسة. نجحت ابنتي في معرفة مكاني إذ أبلغها أحد العاملين هناك منبهاً إياها إلى عدم الإشارة إليه.. نعم كانت هكذا هي الأمور.. تعليمات مشددة كما لو كنت مجرماً خطيراً! متابعة قراءة أفكار منتهية الصلاحية!

سامي النصف

كم عدد المسلمين؟

أتى رسول الحق صلى الله عليه وسلم ليدخل الناس في دين الحق وأتى هذه الأيام بعده من متشددين ومتطرفين وتكفيريين من مختلف الملل مَن يسعد ويفرح بإخراج المسلمين من الإسلام، وهو فعل لم نر مثله لدى أتباع الديانات الأخرى ممن يصطفون جميعا محافظين وليبراليين خلف دينهم حتى قال بن غوريون ذات مرة إبان حدة الخلاف اليساري ـ الديني في دولنا في حقبة الخمسينيات ما نصه: «ان المسلم إذا انتمى للماركسية خرج من الإسلام، اما اليهودي فإن انتماءه للماركسية لا يخرجه من يهوديته، حيث يبقى عليه ان يخدم دينه ويحارب لأجل وطنه».

***

ما ان يقوم المتشددون والتكفيريون بعمل إرهابي ما ويشتد الخناق عليهم حتى يفخروا بالقول انهم ينتمون لأمة تعدادها مليار ونصف المليار مسلم بينما تظهر بالمقابل اقوالهم وأفعالهم انهم يرون أن:

٭ أتباع الصوفية الممتدين من المغرب حتى الصين.. غير مسلمين!

٭ «الإخوان المسلمين» تحزبوا فـ.. خرجوا عن الإسلام!

٭ الشيعة الاثنا عشرية.. غير مسلمين!

٭ الزيود والإباضية خارجين عن المنهج الصحيح لذا فهم.. غير مسلمين!

٭ النساء غير المحجبات.. خارجات عن الإسلام!

٭ الشباب المقتدي بالغرب في لبسه وقصة شعره.. مارق من الإسلام!

٭ الرياضيين وملابسهم غير الشرعية.. خارجين عن الإسلام!

٭ العلويين والدروز والإسماعيلية واليزيدية انحرفت عقائدهم فأصبحوا خارج الإسلام لذا فهم غير مسلمين!

٭ الشيوعيين والاشتراكيين والناصريين والقوميين العرب والقوميين السوريين والبعثيين.. غير مسلمين!

٭ العلمانيين والليبراليين والتغريبيين.. غير مسلمين!

٭ الاقتصاديين ومديري وحملة اسهم البنوك الربوية ومودعيها وحملة اسهمها والمضاربين بالأسهم من أهل السحت.. غير مسلمين!

٭ الفنانين والممثلين والمطربين والرسامين والنحاتين.. غير مسلمين!

السؤال: إذا ما اخذنا بذلك النهج المتشدد الذي يخرج المسلمين من الإسلام، فكم يصبح عدد المسلمين او تحديدا من تبقى منهم؟

وهل يجوز بعد ذلك القول ان المسلمين يتجاوزون المليار ونصف المليار؟

آخر محطة: لله در المتشددين! وكم يحببون الآخرين بالإسلام عبر عمليات التفجير والقتل والتدمير في اميركا وأوروبا وشرق آسيا وأفريقيا والصين والهند وروسيا وتسابقهم على قطع رؤوس اليابانيين والكوريين وكل من يأتي لتقديم المساعدات الإنسانية للمسلمين.. بحق، من هؤلاء المتشددون أصدقاؤه.. لا يحتاج للأعداء أبدا..

احمد الصراف

النور يأتي من الغرب

يقول الكاتب والباحث الفلسطيني الإسرائيلي، سلمان مصالحة، ما معناه بأن أولئك الذين يعتقدون، لأسباب دينية، بأنهم يمتلكون كلّ الحقائق وكلّ المعارف، ويتمسكون بمثل هذه المقولات قرنا بعد آخر، هم كالدواب، وتفكيرهم هذا سيبقيهم على تخلفهم. وان العالم العربي، الذي كان فيما مضى رائدا في مجالات كثيرة، لا يُفلح في الخروج من تخلّفه، وتميل شعوبه لتفسير وضعها المُزري بسبب خضوعه للحكم العثماني على مدى قرون. والمُضحك أن الأتراك يعزون تخلفهم في مرحلة ما لتأثير العرب عليهم. كما أنّ العرب ألقوا كذلك بمسؤولية تخلفهم على الاستعمار، واصبحوا منذ 1948 يلومون إسرائيل على وضعهم المزري، ونسوا أن العثمانيين والمستعمرين رحلوا منذ زمن طويل. كما أنهم يعيشون في دول مستقلّة منذ عشرات السنين، وجيوش دولهم أطاحت ملوكاً وأنشأت أنظمة تزينتْ بريش القومية والاشتراكية والديموقراطية والتقدُّم، وما شابه ذلك، فمن منعهم من أن يستثمروا في التعليم والتربية وتطوير الاقتصاد ودفع مجتمعاتهم قدماً؟ هل منعهم العثمانيون أم الاستعمار أم إسرائيل؟ ويقول الكاتب مصالحة إن كلّ الصفات التي أغدقتها الأنظمة العربية على نفسها كانت جوفاء وخاوية من المضمون، فتقارير الأمم المتّحدة حول التطوّر البشري فيها، مقارنة بدول العالم، تكشف أن نسبة الأمية، على سبيل المثال، هي من أعلى النسب في العالم. ونسبة الذين يدخلون المدارس الابتدائية أقل من نسبتهم في الدول النامية. وكلّ غنى النّفط عندهم موجود على الورق، إذ ان الناتج الوطني الخام لجميع الدول العربية سوية لا يُساوي ناتج اسبانيا وحدها. كما أن الاستثمار في الأبحاث والتطوير في العالم العربي، مقارنة بسائر العالم، هو الأدنى. كما ان ثورة المعارف والمعلومات لم تتغلغل إليهم، فهم لا يشاركون في امتلاك المعارف ولا في ترجمتها، ناهيك عن عزوفهم عن المشاركة في إنتاجها. وان كمية الكتب المترجمة سنويا في اسبانيا فقط تساوي كلّ الكتب التي تُرجمت للعربية منذ القدم. وليس من المستغرب إذن انعدام وجود أيّ جامعة عربية أو إسلامية في قائمة أفضل مائة جامعة في العالم، والتي تحتوي على 3 جامعات إسرائيلية. ويروى عن ابن خلدون أنه قال، عندما احتل المسلمون بلاد فارس، ووقعت بين أيديهم كتب الفرس العلمية، ان قائد الحملة طلب إذناً من الخليفة لترجمتها، غير أنّ جواب الخليفة كان «اطرحوها في الماء، فإن يكن ما فيها هدى، فقد هدانا الله تعالى بأهدى منها، وإن يكن ضلالا، فقد كفاناه الله»!
وقال مصالحة إن الحنين للماضي قد أضحى مرضا عضالا لا دواء له، والحل قد يكون فيما قاله المفكر المصري سلامة موسى «إذا كانت الشمس تُشرق من الشرق، فإن النور يأتي إلينا من الغرب». حقًّا، العالم العربي بحاجة إلى ثورة حقيقية تُطلّق وإلى الأبد ذلك الماضي القبلي والعقائدي، وتتجه إلى الغرب، ومن دون ذلك، لن تقوم للعرب قائمة.

أحمد الصراف

سعيد محمد سعيد

مذكرات «مواطن محترم» (2)

 

لم يخفِ المواطن المحترم إعجابه بشخصية (بوجليع) التلفزيونية الشعبية المحببة للكثيرين… كان يقول دائماً: «بوجليع صديقي… على الأقل ريال ما عنده خيري ميري… يقول الصج ولا يبالي… موب مثل الربع… تعو تعو برو برو»…

ولعله كان شديد الإعجاب بتلك الشخصية كونها تقترب كثيراً من معاناته اليومية كمواطن ومعاناة مئات الآلاف من أمثاله… لكن ذلك الإعجاب لا يعدو كونه حالة من التنفيس عن الهموم! حتى أنه قال ذات مرة: «صحيح هو صديقي… وأعني بوجليع… لكن على أرض الواقع، لن نرى أمثاله يفعلون كما يفعل… بصراحة، أنا اليوم في غاية الضيق والقلق فحتى بوجليع الذي أحبه ويحبني، لم يعد من ذلك الصنف الذي يمكن أن أثق فيه».

على أية حال، لم يتسنَّ للمواطن المحترم، وابنته الكبرى، أن يجلسا أو يرتاحا منذ الثامنة صباحاً حتى الثالثة عصراً… يدور بها من وزارة العمل إلى ديوان الخدمة المدنية… من ديوان الخدمة المدنية إلى «تمكين»… من «تمكين» إلى مكاتب التوظيف في محافظته… من المكتب إلى هذه الشركة، ومن تلك الشركة إلى هذه المؤسسة… طبعاً، كانت البنت تعطف على والدها لما ألمَّ به من معاناة الجري واللهاث والركض من مكتب إلى آخر، والأب كان يحمل في قلبه مرارة وألم وهو يرى ابنته التي ستكمل الآن عامين كاملين منذ تخرجها في تخصص إدارة الأعمال دون بريق أمل في الحصول على وظيفة مناسبة… وما يزيد حسرته، أنه يرى الكثيرين ممن أخذوا مكانها بلا وجه حق!

كان صادقاً وصريحاً ومؤمناً وواثقاً من رزقه ورزق عياله النازل عليهم من عند الله سبحانه وتعالى، وكذلك يؤمن بأن أرزاق الناس أيضاً ستأتيهم… لكنه ما كان مقتنعاً أبداً بأن الوظيفة المعقولة التي يمكن أن يشغلها أبناء البلد، تذهب إلى غيرهم مهما كانت المسوغات… المبررات… الاتهامات… الافتراءات… المسببات… الدواويح الحمراء… كل ذلك بالنسبة له هراء وفعل يتنافى مع كل النظم والقوانين والحقوق والواجبات.

اليوم التالي كان أفضل من ناحية (مؤشرات التفاؤل بالخير)… اتصلت إحدى الشركات الصناعية بابنته فشعّ الفرح وظهرت علامات السرور على وجه البنت وصرخت: «يمه… يبه… اتصلوا لي من الشركة الفلانية عندي بكرة مقابلة… الحمد لله رب العالمين!»… قالت الأم: «سيفرج الله الأمور يا ابنتي وتفاءلي بالخير تجديه»… أما المواطن المحترم فكان رأسه يابساً لحظتها: «بنروح وأمرنا لله… شنسوي بعد… صرف بترول في هالازدحامات… ومداور بهالموتر التعبان… وانتظار ساعات طويلة… والبنية مسكينة تتعب… وآنه تنتفخ ريلي… وتالي روحوا بنتصل… تصدقون عاد ذي الكلمة كنت سامعها من على أيام قراقوش السابع عشر… ههههه.. ضحكي يا بنتي ضحكي… بكرة من الصبح معاج لا تحاتين».

كان الاستقبال جميلًا في تلك الشركة… ما أن وصل المواطن المحترم مع ابنته إلى الشركة حتى استقبلتهم إحدى المسئولات البحرينيات ورحبت بهما وبدأت في الترتيب لعقد المقابلة، لكنها قالت بمشاعر صادقة: «المسئول أشقر يا يبه… وخبرك… يمكن يتفلسف… يمكن يستفز في الأسئلة، فمن الضروري أن تكون البنت واعية ومستعدة لمثل هذه الحالات في المقابلات الشخصية للتوظيف»… رد عليها مبتسماً: «مشكورة يا خويتي… بس شدعوه بنتي بتقدم لوظيفة إدارية لو بتشغلونها مكنسة… شنو أشقر ويتفلسف… إلا أدوس في بطنه قولي له من الحين يحترم روحه… إي والله هاي القاصر».

هدأت الموظفة من روعه وطلبت منه أن يتمالك أعصابه وكل الأمور ستسير على خير… آن وقت دخول البنت للمقابلة الشخصية… وبالفعل، وقع المحظور… كم الراتب الذي تتوقعينه لوظيفة مساعدة اختصاصية شئون مالية؟ من أي منطقة أنت؟ ماذا تمتلكين من خبرات؟ تروحين مني مناك؟ ما هي ميولك السياسية؟ هل تحبين السياسة أصلًا؟ لو تم توظيفك ما هي الأفكار الجديدة التي ستطبقينها لتحسين العمل؟… المفاجأة الجميلة، هي إن من كان يوجه هذه الأسئلة (الكسيفة) ليس الأشقر، لا… مواطن! قفز المواطن المحترم مقتحماً غرفة اللقاء وهو يقول: «سمعت أسئلتك الحلوة والعظيمة والخبيرة يا عبقري زمانك… ما تبي تسألها بعد إذا كانت تقبل بحقيبة وزير بلا وزارة بعد أن تأتي لك بواسطة من فوق؟ أو ما رأيك في أن تبتكر لك نظاماً يجعل أبناء البلد الخريجيين العاطلين عن العمل يكتسبون الخبرة والدراية والمهارات وهم يدورون لسنين بحثاً عن عمل»… أقول يبه، قومي نرجع البيت، وبكرة يحلها ألف حلال… إي والله خبرات وميول سياسية… والله المستعان.