محمد الوشيحي

وعاظ السلاطين… كيف تكتشفهم؟ (٣ / الأخيرة)

استكمالاً للمقالتين السابقتين عن العلامات التي سأضعها على ظهور وعاظ السلاطين، المتاجرين بالدين، ليسهل كشفهم وتعريتهم ونبذهم…
– من أبرز علاماتهم رضى الحكام الظالمين عنهم، ومنحهم المناصب الدينية الحساسة، واستدعاؤهم للمناسبات التي يحضرها السلاطين، وتخصيص المقاعد الأمامية لهم، في حين يتجاهل السلاطين علماء الدين الأحرار الزهاد، ويحاربونهم، وقد يسجنونهم ويعزرونهم.
– يتبادل وعاظ السلاطين مع سلاطينهم الظالمين "معاهدات الحماية"؛ أنت تغطيني بالدرع الدينية، وأنا أغطيك بالقوة العسكرية والقوانين والقضاء وأسخّر مؤسسات الدولة لخدمتك وحمايتك وتنفيعك.
– وعاظ السلاطين هم الذين يدربون تلاميذهم على الرد على منتقديهم بـ: "لحوم العلماء مسمومة"، وكأن لحوم بقية البشر مدهونة بالزيت والليمون، جاهزة للتقطيع والأكل، كما يُفهم ضمناً.
– وعاظ السلاطين يتدخلون في العلوم الدنيوية الحديثة بكل ثقة وبجاحة، فبقدرة قادر، ومن دون أي دراسة، ففي الفيزياء، هم علماء ومكتشفون، يخسي أجدعها فيزيائي في العالم ينافسهم، وفي الكيمياء يميزون بين الغازات باللمس، وبين السوائل بالعض بالأسنان المجردة، وفي كرة القدم يدربون ميسي ورونالدو، وفي الفلك يتفضلون على "ناسا" بالدروس الخصوصية، وفي الجيولوجيا وعلوم التربة تتقزم أمامهم شركات التنقيب عن النفط، وفي الاقتصاد تتضاءل أمامهم قيادات البنك الفدرالي الأميركي… يا عمي عن ماذا تتحدث؟ أنت أمام مكتبات ومختبرات على هيئة بشر، ويا ويلك ويا سواد ليلك، إن احتججت على معلومة لهم أو فكرة حتى لو كانت في مجال تخصصك أو في الشأن العام، فأنت "تهرف بما لا تعرف"، من أنت قياساً بوعاظ السلاطين العارفين الهارفين؟ احترم نفسك واخرس.
– وعاظ السلاطين لابد أن يذكّروك بـ"الأمن والأمان"، ثم يتركوك تفهم وحدك من دون أن يقولوا لك صراحة الجملة التي تليها "إذا اعترضت على قرارات السلطان الظالمة فلا أمن لك ولا أمان"، وهم يعرفون قبل غيرهم أنك لا تأمن على مالك ولا على أرضك من السلطان أو أبنائه، ولا تأمن على حياتك إن أنت عبرت عن رأيك بصراحة، أو حتى بتلميح.
يا صاحبي… العلامات التي تكشف وعاظ السلاطين كثيرة جداً، سقت لك بعضها، وبالتأكيد هناك غيرها، فركز وقارن ولا تنطلِ عليك حيلهم، حتى لو تبوأوا أعلى المناصب الدينية، أو رُزقوا عذوبةَ صوت وطلاقة حديث، أو حُسن مظهر. فقط ركز وحرك عقلك.

حسن العيسى

أنتم الثور الأسود

يعاني عدد من الليبراليين، وليس كلهم، أزمة موقف سياسي مقلقة بعد "انقلاب" ٣٠ يونيو العسكري في مصر، حيث يصر الكثير منهم على تغيير لفظ انقلاب إلى لفظ "ثورة" شعبية، حتى يرتاح ضميرهم "الليبرالي" من عبء مساندة الجنرالات الجدد وحاشيتهم في كورس النظام بمصر. كان الأحرى بالأصدقاء الليبراليين في الكويت أن يتمهلوا، ولا يندفعوا في أحلامهم وأوهامهم عن النظام "الجديد" وأنه أنهى مشروع الدولة الدينية لحكم "الإخوان"، وأنهم أمام مشروع تقدمي ليبرالي عظيم يساند الحقوق والحريات الأساسية ويقيم العدالة الاجتماعية، ويصبح أساساً للدولة التقدمية في مصر، التي ستقود العالم العربي المتخلف خلفها في دنيا الحريات والديمقراطية، وتنهي حالة البؤس الاستبدادية والتخلف الفكري التي تعانيها المجتمعات العربية منذ لحظة ولادة أكثر دولها المتنافرة عرقياً ودينياً ما بين نهاية الحرب العالمية الأولى ونهاية الثانية! وكأن ليبراليينا يرون قصر "ماجيك كنغدوم" المملكة السحرية في "ديزني لاند" قادماً لهم من مصر، وبطريقة الأفلام الهوليوودية عن حتمية انتصار البطل الجميل في نهاية الفيلم.
عند بعض هؤلاء الليبراليين خوف وقلق وجوديان من دولة الاستبداد الديني، وشدَّد تلك المخاوفَ اجتهاداتٌ وممارسات خاطئة للرئيس مرسي خلال فترة حكمه القصيرة، عجز فيها عن استيعاب القوى الأخرى غير "الإخوان" ضمن مؤسسة الحكم. تحت تأثير تلك المخاوف لم يرَ هؤلاء الليبراليون الجانب المظلم للمسرح المصري عن نفوذ وقوة مؤسسات الفساد المتمثلة في الدولة العميقة بمصر، والتي كانت ومازالت، تنخر كالسوس في عظام ذلك القطر لأكثر من ثلاثين عاماً، والتي تتحين الفرص لإنهاء مشروع التغيير نحو الديمقراطية، بمساندة دول رجعية عربية تخشى كلمة "تغيير" وتريد أن تمحو تلك الكلمة من القاموس العربي.
آخرون يضعون على وجوههم أقنعة الحداثة والليبرالية، ولكنهم في حقيقتهم جزء ثابت من منظومة الأنظمة القائمة العربية الرافضة للتغيير، وتأييدهم للانقلاب يصبح مسألة مفهومة، وإن تذرعوا وتحججوا بخطاب أجوف عن الحقوق والحريات، تلك الجماعات الانتهازية المتسلقة ليست موضوع الحديث. الذي يهمني هو الفريق الأول الذي أعمته كراهية "الإخوان" عن رؤية الواقع، فأحد الكتاب الغربيين، ومثله بالمناسبة كثيرون، كان تحليله ورؤيته لما حدث بمصر أكثر مصداقية من أصدقائنا الواهمين، هو مايكل كوبلو، والذي يذكّرنا بدورية "فورن أفيرز" عن انتخابات زين العابدين في تونس عام ٨٧ حين أمسك الحكم وأوهم أهل البلد أنه يحمل مشروعاً ديمقراطياً ليبرالياً منفتحاً وأفرج عن السجناء السياسيين، وأجرى انتخابات برلمانية في نوفمبر ذلك العام، وحين ظهرت النتائج عن تقدم الإسلاميين، تم التلاعب بها وضرب الإسلاميين بعدها، ولم يمضِِ وقت طويل حتى استدار نحو بقية القوى المعارضة لينفرد ويبطش بهم، لم يفرق بين إسلامي وليبرالي ويساري.
تلك حادثة قريبة، فهل يتذكرها ربع الليبراليين اليوم ويتذكرون أنهم الثور الأسود الذي سيتم التهامه بعد الثور الإسلامي الأبيض إن لم يكن قد تم ابتلاعهم سلفاً؟!

احمد الصراف

«كوداك» والكويت

“>
أسس جورج إيستمان شركة كوداك في ولاية نيويورك عام 1888، وهي الفترة التي تقارب بدايات الكويت ككيان شبه مستقل! وكما ارتبط اسم الكويت بالنفط، عرف العالم التصوير الفوتوغرافي من «كوداك»، التي بلغ نجاحها أوجه خلال كامل القرن العشرين، عندما بلغت حصتها %89 من السوق الأميركية فقط في مجال أفلام التصوير والتحميض والطبع وغيرها من صناعة مختلف أنواع الكاميرات والأفلام الحساسة. وبدأت متاعب «كوداك» مع بداية انخفاض مبيعاتها وبطئها التقني في التحول للديجتال، أو النظام الرقمي أو الإلكتروني، وغيرها من التطورات الأخرى ككاميرات الهواتف النقالة، ودفعها عجزها عن التطوير وتنويع دخلها، وفشلها في مواكبة متطلبات السوق والتخلص من فائض العمالة ونفقاتها الهائلة، لأن تطلب من الحكومة في عام 2012، وبعد 124 سنة من تأسيسها، حمايتها من دائنيها! واضطرت مؤخرا لبيع حقوق مجموعة من اختراعاتها بمبلغ 525 مليون دولار لمجموعة من الشركات، وهذا زاد من ضعفها. وقد تستمر «كوداك» كشركة، ولكن لا يمكن أن تعود لسابق وضعها، فقد تآكلت أصولها وأصبحت عاجزة عن مواكبة متطلبات العصر!
ولو نظرنا لوضع الكويت الاقتصادي، التي تعتمد في الحصول على كل احتياجاتها، من ماء وغذاء وكساء، على مورد واحد قابل للفناء، لوجدنا أن وضعها يشبه وضع «كوداك». فالعجز عن تطوير الدولة وتحديثها، والاعتماد الكلي على التقنيات القديمة، والفشل في استثمار الفوائض النقدية بصورة سليمة، ستكون له عواقب وخيمة، ويجب تلافي ذلك والتعلم من دروس كوداك ونوكيا وغيرهما من قصص الاعتماد على مورد واحد!
• • •
• تقول القارئة «م» إنها ترى يوميا عمال النظافة وهم يجمعون القمامة من أمام بيتها وبيوت الآخرين، ويكنسون الشوارع، وعلامات الإرهاق بادية على وجوههم المتعبة وظهورهم المحنية من ظلم الزمن، فهم محرومون من كل شيء تقريبا، وفي الوقت نفسه يروننا ونحن نرتدي أفخر الثياب ونقود أفضل المركبات، ونتناول أحسن الطعام ونتسوّق من أكبر المتاجر، ونتزاور ونضحك ونمتلك كل وسائل الراحة، وننام على أسرّة وثيرة ونجلس على أرائك مريحة ونعيش حياة ترف ورخاء، وأصوات المكيفات تسرّ خواطرنا وهي تبث الهواء المنعش علينا في كل زاوية! وتستطرد «م» قائلة إنها ترى أن نظرات العاملين في الشارع لنا تنمّ، ربما، عن حقد وربما عن كره قاس! فالبعض منا يبخل عليهم حتى بكلمة حلوة، وآخرون لا يفكرون بإعطائهم شيئا من فائض طعامهم، وغيرهم يأكل حتى رواتبهم، وآخرون يلفقون التهم لهم لكي يرحلوهم لبلادهم من دون إعطائهم كامل حقوقهم. وقالت إن منظرهم يذكّرها بقطة كانت تربيها، وأن القطة لم تكن تجرؤ على تخطي عتبة البيت، وفي يوم خرجت من عندهم من دون أن يحس بها أحد، وبعد فترة عادت وهي تئن من آلام الجروح تملأ وجهها، ويبدو أنها دخلت في «صراع» غير متكافئ مع قطط الشارع، التي شفت غليلها منها وانتقمت لنفسها، لأنها كانت دائمة الإطلالة عليها، من وراء شبابيك البيت، ساخرة من شقاء عيشها، ونعيم حياتها! وتتساءل «م»: هل يا ترى لو سنحت الفرصة لهؤلاء العمال لينتقموا منا، مثل ما فعلت قطط الحي بقطتها، سيفعلون ذلك، أم أن «آدميتهم» ستمنعهم من ذلك، خاصة أن أوضاعنا متخلخلة واقتصادنا غير مستقر ولا نعرف ما ينتظر أحفادنا من مستقبل؟

أحمد الصراف
[email protected]
www.kalamanas.com