سامي النصف

مُنع من تقلّد الوزارات.. فكيف يحاسب عليها؟!

  حسنا فعلت الحكومة بإحالة الاستجواب الأخير للمحكمة الدستورية التي أتى حكمها مطابقا للمنطق ولصحيح القانون والدستور ومتناسبا مع حكمها السابق عام 2006 الذي جعل الاستجواب حقا لا يجوز التعسف فيه كي لا يفقد مقاصده الخيّرة، كما جعل مساءلة رئيس الوزراء مختصة بالسياسات العامة للحكومة ولا يجوز معها استجواب رئيس الحكومة ـ أي حكومة حاضرا او مستقبلا ـ على أعمال يقوم بها وزراء آخرون كي لا يعصموا من المساءلة السياسية فيفسدوا حيث إن السلطة المطلقة مفسدة ما بعدها مفسدة!

***

وواضح ان ذلك الحكم يتماشى كذلك مع العقل والمنطق فكيف لرئيس وزراء ان يعلم ما يدور في كل ساعة وكل دقيقة من اعمال وقرارات للوزراء المختلفين حتى يحاسب عليها؟! وهل يعتقد احد للحظة ان الوزراء لن يمارسوا اعمالهم اليومية الا بعد ان يتصلوا برئيسهم أولا بأول قبل اصدار القرارات اللازمة كي يحاسب بعد ذلك على أخطائهم؟ وهل من العدل ان يحاسب انسان على اعمال انسان آخر لا يعلم عنها؟! الإجابة واضحة!

***

ان السماح باستجواب رئيس الوزراء بسبب أخطاء الوزراء الآخرين يعني ابتكار ممارسات سيئة جديدة تضاف للممارسات السيئة السابقة التي شوهت وجه الديموقراطية الكويتية، ومن ذلك انها ستسمح لمن يريد من الوزراء بأن يسقط من يريد من رؤساء الوزارات عبر تسريب أخطاء وزارته لبعض النواب وكوسيلة لحماية ذاته وفي ذلك توسعة وتكرار لاستجواب وطرح الثقة في الوزراء بسبب تآمر بعض إداريي وزاراتهم عليهم، ان محاسبة الرئيس على أخطاء الوزير تعني قلب الهرم السياسي، حيث سيصبح الإداري أقوى من الوزير والوزير أقوى من الرئيس وبقاء القلاقل السياسية وعدم الاستقرار الحكومي الى أبد الآبدين، ناهيك عن الخطأ الحسابي الشنيع فيه، فبدلا من ان يستجوب 15 وزيرا على 15 خطأ في وزاراتهم سيستجوب الرئيس 15 مرة على أخطاء لم يرتكبها، وكم رئيس سيبقى ضمن تلك المعادلة المدمرة التي أبطلها حكم المحكمة الدستورية الأخير؟!

***

ولو عدنا للآباء المؤسسين وهم بالقطع الأكثر فهما للدستور ومعانيه فسنجدهم قد قاموا بتحصين رئيس الوزراء ايا كان شخصه من المساءلة البرلمانية حفاظا على الاستقرار السياسي في البلد عبر عدم طرح الثقة فيه وعدم توليه أي وزارة كحال جميع الديموقراطيات الأخرى التي تجيز لرئيس الوزراء ان يتقلد ما يشاء من الوزارات فكيف يقوم البعض هذه الأيام بمحاولة محاسبة رئيس الوزراء على أعمال الوزارات التي منع من تقلدها في الأساس حماية له من المحاسبة؟! لست أدري!

***

آخر محطة: حتى لا يزايد أحد على أحد إليكم بعض ما جاء في محاضر المجلس التأسيسي ـ التي لا يقرأها أحد ـ حول ضرورة النأي برئيس مجلس الوزراء عن المحاسبة البرلمانية حفاظا على الاستقرار السياسي وعلى لسان الخبير الدستوري «الشعبي» د.عثمان خليل عثمان وليس الخبير «الحكومي» محسن عبدالحافظ: ص172 «الكتل السياسية تسعى جهدها لإسقاط الوزارة القائمة لا للمصلحة العامة، ويبطل مفعول مناوراتها وخطرها إذا ما اقتصرت المسؤولية البرلمانية على «الوزير» دون رئيس الوزراء»، وص173 «النظام الأكثر كفالة للاستقرار هو بأن يكون رئيس الوزراء غير مسؤول عن اي موضوع تنفيذي أمام مجلس الأمة دون تولي وزارة».

آخر مقالات الكاتب:

عن الكاتب

سامي النصف

كابتن طيار سامي عبد اللطيف النصف، وزير الاعلام الكويتي الاسبق وكاتب صحفي ورئيس مؤسسة الخطوط الجوية الكويتية

twitter: @salnesf

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *