سامي النصف

كلمة حق في وزير رحل!

  مرة أخرى تفقد الكويت طاقة نادرة من طاقاتها وعقلا نيرا من عقولها الخيرة ـ وما أندرها ـ بسبب المناكفات السياسية التي لا تنتهي، فالشيخ د.محمد الصباح خريج جامعة هارفارد وهي إحدى أكبر وأشهر الجامعات في العالم، كما أنه تلميذ نجيب في مدرسة سمو الشيخ صباح الأحمد الديبلوماسية، حيث عمل بشكل لصيق مع سموه لسنوات عديدة.

***

وبترك أبوصباح موقعه تفقد الكويت مدافعا شرسا عن حقوقها في المحافل العربية والدولية، ولاتزال صورته وهو يتصدى لبذاءات الصدامي عزة الدوري ابان القمة الاسلامية التي عقدت في الشقيقة قطر، راسخة في الأذهان، والحاجة هذه الأيام أكثر وأكبر لجهده وقراءته الصحيحة للأحداث وسط المتغيرات الإقليمية والدولية القائمة.

***

وقد استطاع الشيخ د.محمد الصباح أن يبني شبكة علاقات عربية ودولية متميزة خدمت الكويت بشكل كبير ابان تفجر بعض الأزمات كحال صداقته المتميزة مع القائمين على الخارجية الأميركية والأوروبية والعربية والخليجية وتحديدا العراقية، وستحتاج الكويت الى سنوات طوال لتعويض التراكم الكمي الذي خلقه الوزير الكفؤ الذي استقال.

***

وتميز أبوصباح بالعديد من الخصائص الشخصية الطيبة والنادرة، فلا يختلف اثنان على مقدار أدبه وتهذيبه، وصفاء سريرته وطهارة يده، كما أنه مرجع حقيقي في تاريخ الكويت وخبير مختص في علم الأنساب والقبائل والعوائل، فلا يقابله مواطن إلا وسرد له معلومات لصيقة عن أجداده وآبائه وأقاربه، إضافة الى حرصه الشديد على تطوير ذاته ومتابعة المتغيرات أولا بأول وإبداء الرأي السديد حولها.

***

إن الاستقصاد المتكرر على «الهوية» كما نرى ونسمع والذي حذرنا منه مرارا وتكرارا في السابق قد تسبب في فقداننا لكثير من الكفاءات الكويتية النادرة التي لا تعوض وقد يكون آخرها الشيخ د.محمد الصباح الذي نعلم علم اليقين انه لا تنقصه الحجة والبيان للرد على منتقديه أو مستجوبيه، وقد آن الأوان لإبعاد المسؤولين عن دفع ثمن المماحكات والأزمات السياسية التي لا تنتهي، فالكويت لا تستحق وبحق ما يجري لها.

***

إن استقصاد الوزراء «الشيوخ» بالاستجوابات لشخوصهم لا بسبب أخطائهم بعد أن تكتل النواب الآخرون حول وزرائهم، قضية محزنة للغاية، فليس هذا جزاء أسرة حاكمة فريدة لم يعرف عنها إلا الحب والود الشديد لشعبها حيث لم تلطخ يديها عبر تاريخها الطويل بدمه كحال كثير من الأنظمة الأخرى، بل سبقت عصرها بأخذها بالخيار الديموقراطي وتوزيع الثروة توزيعا عادلا بين الناس، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟!

***

آخر محطة: في ربيع هذا العام منحت جامعة كليرمونت الأميركية الشهيرة شهادة الدكتوراه الفخرية في القانون للشيخ د.محمد الصباح الذي ألقى كلمة رائعة قال ضمنها إن الشهادة التي تم منحها له يستحقها قبله بلده الكويت الذي أصبح جسرا للصداقة والود بين الأمم.. نرجو كما ذكر الوزير علي الراشد أن تكون الفترة الحالية استراحة محارب للشيخ د.محمد الصباح، فالكويت في أمس الحاجة لعلمه وجهده ولا تطول السفرة يا بوصباح.

احمد الصراف

نهاية أغنى وأغبى رجل في التاريخ

تساءلت في مقال نشر قبل أكثر من سنة تقريبا عن سر انفراد ليبيا بكونها الدولة الغنية الوحيدة في العالم، وربما في التاريخ، التي لم يكن فيها عدد يتناسب ودخلها من أصحاب الثروات، محليا وخارجيا. كما لم تشتهر ليبيا، بالرغم من ثرائها النقدي، بأي استثمارات عالمية حقيقية، غير حالات قليلة ومتواضعة مقارنة بمثيلاتها من الدول النفطية. ولو استبعدنا مغامرات عقيدها المجنونة في تشاد وغيرها وتمويله لعدد من حركات العصيان والمقاومة هنا وهناك، وما دفعه للسكوت عن تتويج نفسه «ملكا لملوك أفريقيا»، وما بذله من جهد للتغاضي عن تعيين نفسه «عميدا» للزعماء العرب، فاننا نجد أن ليبيا خلت، نسبيا، من قصص الفساد المالي التي اشتهرت بها نظيراتها النفطية، وبالتالي لم تعرف القطط السمان ولا استثمارات ضخمة، ولكن ما ان أطيح بالقذافي حتى انكشف السر، واذا بنا أمام الرجل الأغنى في العالم بسلطة غير محدودة وقدرة على صرف اكثر من 160 مليار دولار اميركي عدا ونقدا من دون أي خوف من مساءلة أو حساب، ومع كل هذا الثراء كان العقيد «شخبوطيا» بامتياز، وكان غباؤه بحجم ثرائه، فقد احتفظ بكل تلك الثروة وكأنه سيعيش الى الأبد وهو يراها تكبر يوما بعد يوم، أو ربما اعتقد أنه لن يموت أو سيأخذها معه الى القبر. فبالرغم مما أشيع عنه من صرف على ملذاته الشخصية، فان حياته كانت تتسم بقدر من التقشف، هذا بصرف النظر عما كان يصرفه أبناؤه على ملذاتهم ومغامراتهم العاطفية في الخارج، والذي لم يكن يقارن بتصرفات أمثالهم، أو يتناسب وثراء أبيهم، فحياة العقيد «الأخوت» كانت بسيطة ومزيفة في الوقت نفسه، فصلعته كان يغطيها بباروكة، وأكثر احذيته كانت بكعب مرتفع، الا أن اصراره على العيش في خيمة كان صادقا، وعلامة على جهله بكيفية الاستمتاع بالحياة، وهذا انسحب على نفسيته ومنعه بالتالي عن فهم كيفية الصرف على شعبه الذي حكمه بالارهاب لأكثر من أربعة عقود. وهكذا عمل جاهدا على الاحتفاظ بكل تلك الثروة، التي ربما أضاع مثلها على أخطائه وهفواته وجرائمه وحرسه ومخابراته وجيشه الوهمي، وشيئا منها على عائلته، ورفض الصرف على أي مشاريع حيوية وحرم على شعبه كل شيء تقريبا، حتى النهر العظيم الذي تكلم عنه على مدى ثلاثين عاما، لم يسبق للكثيرين أن شاهدوا له صورة أو لقطة واحدة، هذا بالرغم من أنه كلف ليبيا ملياري دولار.
مات الغني الغبي كالجرذ، وهو الذي وصف شعبه بالجرذان، وهذه عادة نهاية الطغاة، وعاش الشهور الستة الأخيرة من حياته مطاردا مشردا بعيدا عن أهله، ولم تذرف دمعة حزن حقيقية واحدة على مقتله، من غير أهله ربما، الذي فشل في تربيتهم كما فشل في قيادته واستثمار ثروة بلاده، واصراره على كتابه الأخضر الأكثر تفاهة منه، فهل يتعظ الآخرون من الدرس ويدركون أن من الاستحالة أن يتغلب أي فرد كان أو عائلة أو حزب أو جماعة على شعب كامل، مهما طال الزمن؟

أحمد الصراف