محمد الوشيحي

لا تتشوقنوا

الذي كان يتمشى على الشاطئ مرتدياً الشورت، تداعب أصابع قدمه حبات الرمال الناعمة، لا يحق له، لاحقاً، الحديث عن بطولته في المعركة التي كانت تجري في عرض البحر، في تلك الأثناء! وجوده على الشاطئ بعيداً عن غضب العواصف وجنون الأمواج لا يشفع له بأن يعتبر نفسه من أبطال المعركة البحرية.
وبعض الصحف، والقنوات الفضائية، والكتّاب، ونواب المعارضة السابقين، ورجال الأعمال، وكل ذي شأن، يصمت اليوم – بعد كل هذه الرشاوى التي حولت "صوت الشعب" إلى "صفاة غنم" – أو حتى ينتقد لكن بعموميات، وينتقي كلمات "حمالة أوجه"، كيلا تغضب عليه السماء فتحجب أمطارها عن أرضه، ويحرص على ألا تتسخ ثيابه من غبار المعارضة… كل هؤلاء يتمشون على الشاطئ، ولن نقبل غداً أن نقرأ أسماءهم في أعلى قائمة الشرف، ولا أن يمسح الواحد منهم الدماء المزيفة من على جبهته، متمتماً بصوت يتصنع التواضع: "الكويت تستاهل".
فما لم تهاجمك صحف الفساد وقنواته وأدواته، وتفتري عليك وتختلق الأكاذيب، وتنهش لحمك الضباع والنسور، وتطعن في شرفك ونظافة يدك وعرضك، وتحارب مصالحك، ووو، ما لم تتعرض لكل ذلك فلا تقل "الكويت تستاهل".
وأقسم برب البيت، لو أن الفعاليات التجارية، بجلالة تأثيرها ومكانتها، انتفضت وأعلنت غضبها مما يحدث، واتخذت إجراءات تدل على ذلك، وتسابقت إلى ساحة الإرادة… ولو أن أساتذة الجامعة، ممثلين بهيئة التدريس، أصدروا بياناً أحمر فاقعاً لونه، تظهر فيه حواجبهم مرتكزة لشدة الغضب، وتسابقوا إلى ساحة الإرادة… ولو تجمهرت النقابات في ساحة الإرادة، كما فعلت عند مطالبتها بزيادة رواتب أعضائها… ولو تسابق أعضاء المجلس البلدي إلى ساحة الإرادة، خصوصاً مَن يدّعي منهم إحباطه مما يجري… ولو ولو ولو ما كانت الكويت بهذه الكآبة، وما ارتدت هذه الأسمال البالية المشققة.
وبمناسبة الحديث عن المجلس البلدي، كنت قد قرأت خبراً  تعلن فيه عضوة المجلس البلدي المهندسة أشواق المضف نيتها خوض انتخابات البرلمان، وكنت قد سمعت كلمات متناثرة من هنا وهناك تدل على أن المهندسة أشواق تعارض الحكومة، فتتبعت تصريحاتها لأستشف موقفها، لكونها عضواً معيناً في «البلدي» (لغير الكويتيين، المجلس البلدي يضم عشرة أعضاء منتخبين وستة أعضاء تعيّنهم الحكومة)، ولأنني أعرف أن كل عضو بلدي جاء بالتعيين لابد أن تكون ابتسامته تعجب الحكومة، وحديثه يشرح صدرها، وهذا ما دفعني إلى التمتمة والهمهمة: "أشواق المضف معارضة؟ هل كيف؟".
المهم أنني تتبعت تصريحاتها، فوجدتها فعلاً معارِضة، لكنها تعارض البرلمان لا الحكومة، وتتحدث عن فساد أعضاء البرلمان لا عن فساد الوزراء ولا خيبة الحكومة التي تتضاءل هيبتها أمام سطوة إحدى شركات الاتصال وتعجز عن "افتكاك" مواطنيها من بين أنياب الشركة التي ترفض السماح بتبادل الأرقام.
وتبحث عن المهندسة أشواق وعن "أشواقات" أخرى من الرجال والنساء في ساحة الإرادة فلا تجدهم، فتلتفت هناك، فتجد أشواق وكل الأشواقات يتمشون على شاطئ البحر، تداعب أقدامهم حبات الرمال الناعمة، أو يتمددون على كراسي البحر ويتناولون  "آيس تي" مع "بيتي فور"، قبل أن يقدموا أنفسهم إلى المجتمع بصورة أبطال المعركة التي جرت في عرض البحر، حيث العواصف العاتية والأمواج اللاطمة المتلاطمة.
لذا نقولها بوضوح للجميع: "لا تتشوقنوا على عقولنا… ساهموا معنا في رأس المال أو فاصمتوا".

احمد الصراف

إلى عبدالوهاب مع التحية

من معوقات التنمية في دول العالم الثالث عدم اكتراث حكوماتها بالمشاريع الطويلة الأمد، التي تحتاج الى سنوات لكي تظهر نتائجها، ومنها خطط ومشاريع التعليم، فعادة ما يبحث المسؤولون عن المشاريع «الشعبية» والسهلة كنافورة راقصة أو تشجير منطقة، وهكذا.
تعتبر فنلندا من أصغر اقتصاديات أوروبا الغربية، وكانت تعاني قبل اربعة عقود مشاكل اقتصادية وتنموية هائلة، ولكن بعد وضع خطة محكمة اصبح وضعها أفضل بكثير، وكان عماد الخطة تغيير التعليم الذي أثار دهشة الأميركيين واعجابهم، بعد مشاهدتهم للفيلم الوثائقي «بانتظار سوبرمان».
بدأت نهضة فنلندا المعاصرة قبل 40 عاما، عندما آمنت حكومتها بأن الأزمة الاقتصادية، التي كانت تمر بها، لا يمكن أن تحل بغير إحداث نقلة نوعية في التعليم، ولم تظهر نتائج الخطة إلا بعد ثلاثة عقود تقريبا، عندما قورنت نتائج اختبارات خضع لها أطفال في الخامسة عشرة من العمر من 40 دولة، وتبين منها ان شباب فنلندا هم الأفضل في العالم قراءة. وبعدها بثلاث سنوات أصبحوا الأفضل في العالم في الرياضيات، وفي 2006 اصبحت فنلندا الأولى على 57 دولة في مادة العلوم، وفي 2009 أصبحت، وحسب اختبارات عالمية مؤكدة، الثانية في العلوم والثالثة في القراءة والسادسة في الرياضيات، ضمن اختبارات شارك فيها نصف مليون طالب في العالم! لم يحدث ذلك عبثا، فقد تبين ان الفضل الأكبر يعود للمدرس الفنلندي، غير المرتبط بالحزب الديني السياسي، الذي كان على استعداد دائم لبذل كل ما يتطلبه الأمر، وهذا الشعار ليس خياليا ولم يأت من فراغ، بل كان القوة الدافعة لأكثر من 62 الف مدرس فنلندي، في 3500 مدرسة، الذين تم اختيارهم من الــ%10 الأوائل من خريجي الجامعات، ومن حاملي شهادات «الماستر» في التعليم، حيث منحوا امتيازات مالية ومعنوية عالية، وساعدهم صغر حجم الفصول الدراسية في معرفة طلبتهم، حيث تبين ان %30 من هؤلاء بحاجة الى عناية خاصة في سنوات الدراسة الأولى، علما بأن المدارس الفنلندية تحتوي على نسب متزايدة من الطلبة من العراق واستونيا وبنغلادش وروسيا والصومال وأثيوبيا. ولو حاولنا مقارنة خطة التعليم الفنلندية بخطة التعليم الكويتية، التي بدأت في الفترة نفسها تقريبا، فإننا سنصاب حتما بآلام حادة في المعدة!
فيا وزير التخطيط والتنمية، إذا اردت ان يخلد التاريخ اسمك، عليك بالتعليم، وليس بتأسيس شركات صناعية وتجارية!
***
ملاحظة: ذكرنا في مقال الــ 4422 مدرسا، أن هناك مدرسين كويتيين فقط لمادة الفيزياء، والصحيح واحد فقط لا غير! وعاشت أمة الرسالة الخالدة!

أحمد الصراف