سامي النصف

العالم الثاني والرابع!

في بداية الخمسينيات تم اختلاق مصطلح العالم الأول الذي أطلق على الولايات المتحدة وكندا ودول غرب اوروبا واستراليا، كما أطلق مصطلح العالم الثاني على دول المعسكر الشرقي الشيوعي، واستخدم مصطلح العالم الثالث ليشمل جميع دول العالم الاخرى وقد حان الوقت بعد 6 عقود وسقوط دول المعسكر الشرقي لاعادة النظر في تلك التقسيمات القديمة الجامدة وخلق تقسيمات مرنة جديدة تعكس حقيقة الاوضاع الاقتصادية والسياسية القائمة في الدول بداية القرن الـ 21.

***

فالعالم الاول الذي تتزعمه الولايات المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي يمكن ان يضم له اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وجمهورية التشيك وتخرج منه دول مثل اليونان ولربما اسبانيا والبرتغال اذا لم تنهض سريعا من كبوتها الاقتصادية لتنضم لدول العالم الثاني الذي تتزعمه الصين وروسيا الاتحادية ويشمل دول اوروبا الشرقية «عدا رومانيا وألبانيا اللتين يمكن ضمهما لدول العالم الثالث» وتركيا والبرازيل والارجنتين ودول مجلس التعاون وماليزيا وتايلند وجنوب افريقيا واسرائيل والجمهوريات المنفصلة من الاتحاد السوفييتي سابقا.

***

اما دول العالم الثالث الذي تتزعمه الهند واندونيسيا ويضم الدول العربية وباكستان وايران ونيجيريا ومعظم الدول الافريقية وباقي دول أميركا اللاتينية وبنغلاديش وتبقى دول العالم الرابع الذي يضم الصومال وافغانستان وزمبابوي وبنين وافريقيا الوسطى ومالي وهايتي وتيمور الشرقية وكوريا الشمالية وكوبا واوغندا ورواندا والسودان الشمالي والجنوبي ولاوس ودول اخرى لم يعد واقع حالها يسمح بتصنيفها كدول عالم ثالث كحال دول اخرى في ذلك التصنيف متوثبة ومتطورة وتستعد لدخول العالم الثاني.

***

آخر محطة: (1) يمكن لمنظومات اقتصادية وسياسية وبيئية وحقوقية دولية تابعة للامم المتحدة ان تصدر كل اربع سنوات جداول بالتصنيف الجديد للدول فتصعد البعض وتنزل البعض الآخر فليس من العدل في شيء ان تبقى دول او فرق في دوري المظاليم مهما أبدعت وأنجزت!

(2) ان طبق ذلك المقترح المنطق في يوم ما فسأهدي حقوق ملكيته الفكرية لبلدي ومعه مقترحنا الآخر بأن يختص خبراء من الامم المتحدة بتحديد عجائب الدنيا السبع بدلا من تركها كما هو الحال القائم للتصويت الالكتروني المعتمد على الغلبة العددية لا الاسس العلمية.

احمد الصراف

غازاتنا وغازاتهم

عادة ما لا تتعدى معرفة الشعوب المتخلفة بالغازات إلا بما يقوم أفرادها بإنتاجه ذاتيا، وهذا النوع من الغاز ليس موضوع مقالنا!
لفت موضوع الغاز انتباهي عندما وردتني هدية جميلة من قريب مرفق بها عدة بالونات. فرح الأطفال بها، ولكن ما إن فلتت من ايديهم حتى ارتفعت بسرعة ملحوظة في الهواء، لأنها كانت مملوءة بغاز الهيليوم. وحتى دقائق من كتابة هذا المقال لم أكن أعرف عن الهيليوم helium سوى أنه يستخدم، لخفته، في نفخ بالونات الهواء، وبالبحث تبين، من مقال نشر في «الإندبندنت» البريطانية، أن أمره أعقد من ذلك بكثير، فالهيليوم هو ثاني أخف مادة في الكون، ويصل للغليان عند ادنى درجات الحرارة، وبالتالي يستخدم في بالونات الأفراح والمناطيد، ولكنه غاز يأتي من مصدر نافد، ويتعرض العالم لخطر فقده، وبالتالي تقوم دول عدة بالاحتفاظ بكميات استراتيجية منه، وهذا ما فعلته اميركا في عام 1923. ولكن قانونا صدر عام 1996 الزم الحكومة بيع مخزونها منه بحلول عام 2015، بصرف النظر عن أي كانت أسعاره. وقد حذر خبراء كثيرون من أن المخزون العالمي من غاز الهيليوم سينتهي خلال فترة تتراوح بين 15 و30 عاما، وهذا يعني كارثة لجهات كثيرة جدا، فهو يستخدم في أجهزة الــ MRI والسكانرز الطبية المعقدة، والتي يتم تبريدها بهذا الغاز، بعد تحويله إلى سائل. كما يستخدم في اجهزة مكافحة الإرهاب وفي أجهزة الكشف عن التلوث الإشعاعي، هذا غير مئات ملايين بالونات حفلات الأطفال وغيرها. وينتج الهيليوم إما من عملية الانشطار النووي للشمس، أو من التآكل البطيء لصخور أرضية، وهو المصدر الوحيد لكل مخزون الهيليوم على الأرض، والذي لا يمكن إنتاجه بطريقة صناعية، وبالتالي هو منتج ثانوي مصاحب لإنتاج الغاز الطبيعي، ويتواجد هذا الغاز بشكل رئيسي في حقول الغاز الطبيعية الضخمة في المناطق الجنوبية الغربية من أميركا. وغاز الهيليوم حيوي في عملية تبريد المفاعلات النووية وفي تبريد آلات كشف الأشعة ما فوق الحمراء، وفي محركات اختبار تأثير الرياح على الأجسام الطائرة. كما يستخدم الهيليوم في أجزاء حساسة من الأقمار الاصطناعية ومركبات الفضاء، وتستخدم «ناسا» غاز الهيليوم بكثافة كبيرة جدا في الحد من، أو تطهير الوقود القابل للانفجار الخارج من صواريخها. كما للهيليوم استخدامات حيوية للحصول على وقود نظيف. ولهذا كله تشعر جهات عدة بالقلق من تضاؤل المخزون العالمي منه بشكل مخيف، مع عدم وجود بدائل أخرى، فالمخزون الحالي استغرق تكونه قرابة الخمسة مليارات سنة، وليس بوسع العالم انتظار مدة مماثلة للحصول على المزيد منه. ويعتقد العالم ريتشاردسون أن قانون 1996 والذي يجبر الحكومة الأميركية على بيع مخزونها الاستراتيجي من الهيليوم لتغطية ما صرف على إنتاجه، خطأ استراتيجي قاتل، فقد تأثرت اسعاره سلبا نتيجة عرضه بكميات كبيرة في السوق العالمي. كما أدى هذا العرض الرخيص لسوء استخدامه، وعدم التعامل معه كمادة استراتيجية مهمة! ويعتقد العالم ريتشاردسون أن أسعاره يجب ان تضاعف لعشرين او خمسين مرة، وأن تلزم الجهات التي تستخدمه بكثافة، كوكالة الفضاء «ناسا» بإعادة استخدامه.
والآن هذا عن غازهم، فماذا عن.. غازاتنا؟

أحمد الصراف