سامي النصف

شهر الصيام والقوم النيام

هناك ما هو أقرب لدين جديد يخلق عند بعض المسلمين يختلف تماما عما أنزله رب العباد على رسوله الأمين، فما قصد من فريضة الصيام الكسل وعدم العمل والسهر ليلا لمتابعة المسلسلات وكأن الشهر ما فرض على البشر إلا كإجازة مدفوعة الأجر لثلاثين يوما كاملة، وقد عشت في اندونيسيا أكبر بلد إسلامي في شهر رمضان ولم ألحظ أي تغيير في ساعات عملهم التي تمتد من 9 صباحا الى 9 مساء تتخللها أوقات للصلاة والإفطار.

***

وقد أعفى دين الرحمة المرضى من الصيام دون تحديد مرضهم، إلا أن ما نسمعه من فتاوى بعض أطباء الدين الجديد هو على العكس تماما من ذلك، فما ان يسأل أحد مرضى الأمراض المزمنة الخطيرة التي توجب حفاظا على الحياة وجبات غذاء ودواء وماء منتظمة حتى يأتي الجواب – وحتى دون فحص – للمريض بضرورة الصيام وهو نصح لا يقدمه الطبيب عادة خارج الشهر الفضيل، مما يؤدي كما يخبرني مدير احد المستشفيات العامة الى زيادة وفيات مرضى تلك الامراض المستعصية ولو أتى ذلك النصح العلني في بلدان تحترم حياة الانسان لسحبت من الطبيب رخصة الطبابة وأعطيت له.. رخصة الجزارة!

***

ولم يفرض الصيام – للعلم – على المسيحي واليهودي والبوذي والهندوسي وأصحاب الديانات الأخرى، كما لم يفرض على مرضى المسلمين وجميع هؤلاء يحتاجون لأماكن يأكلون فيها، فكيف يتم عقابهم عبر بدعة «المجاهرة بالافطار» وقد روي عن رسول الأمة صلى الله عليه وسلم انه فضل الفاطرين على الصائمين من صحبه في إحدى سفراته، وقال انهم ذهبوا بأجر ذلك اليوم ولم يعاقبهم على مجاهرتهم بالافطار، بل أقرهم عليه.

***

آخر محطة: أكثر الأمور إساءة للاسلام تأتي ممن يدعي بأن السماح بإفطار الآخرين ممن لم يفرض عليهم الصيام سيضعف إيمان المسلمين ويجعلهم جميعا يفطرون، ألا يعلم هؤلاء الكهنة الجدد أن عشرات ومئات ملايين المسلمين يعيشون إما في دول غير مسلمة أو في دول إسلامية لا تغلق محلاتها ومطاعمها في رمضان دون أن يتسبب ذلك في إفطار المسلمين.

احمد الصراف

حلم أبو عبدالوهاب

لا أميل كثيرا للقيام بواجب تقديم العزاء! ولو لم يسمَّ واجبا لما قمت به أصلا. وربما تكون عملية كتابة رثاء في فقيد، أكثر صعوبة من حضور العزاء شخصيا والتمتمة ببضع كلمات، والخروج والسلام! فالعزاء الكتابي، خاصة إن كان كاتبه غير ميّال للمبالغة، صعب، ولكن أثره يبقى لفترة أطول.
الحادث المؤسف والمحزن جدا الذي تعرّض له ابن صديق وحفيد صديق كريم آخر، هزّني من الأعماق، خاصة أن حادثة أليمة مماثلة حصلت للجد قبلها ببضع سنوات، وأذكر جيدا أنها أبكتني وقتها كثيرا. كما هزّت الحادثة الأخيرة قارئة عزيزة، فكتبت النص التالي، الذي تصرفت فيه قليلا، لكي يفي بالغرض، وأنشره، لعله يغفر لي عدم اتصالي بالصديق وصهره، في فترة العزاء، لظروف خاصة!
* * *
دخل الوالد غرفة ابنه البكر، وهو يمشي على أطراف أصابعه، وكأنه لا يود أن يقلق نومه العميق بعد يوم مرهق طويل. وما ان بلغ منتصف الغرفة، حتى شعر بأنه غير قادر على كتم شهقة عميقة صدرت منه، تبعها بكاء مر! وهنا ارتمى على فراش فلذة كبده الذي فارقه مبكرا، وهو لا يزال في مقتبل العمر، ولثم مخدته واشتم رائحته الطيبة المميزة، والكولونيا الخاصة التي كان يفضّلها، والتي كانت آثارها لا تزال عالقة بأطراف الشرشف.
أجهش في بكاء صامت، ولم يشعر بالوقت يمر، ولم يعرف كم بقي في تلك الغرفة التي لن يملأها الدفء ثانية، ولكنه كان على يقين بأن قدميه لن تطآها مرة أخرى. أدار نظره في محتويات الحجرة الجميلة، وفي كل شيء كانت عينا فقيده الصغير تقعان عليه صباح كل يوم عندما يصحو من نومه، وعندما كان يسكنها بجسده وروحه. هنا أشياؤه الصغيرة، وهناك أغراضه الخاصة تملأ أدراج خزائنه. وصوره الجميلة، بابتسامته الأخاذة، تغطي حوائط الغرفة، هذه واحدة وهو بملابسه الرياضية، يحتفل مع أصدقائه بمناسبة ما، وثانية يقف بجواره على ساحل المالديف، وثالثة على ظهر قاربهم الكبير، ورابعة مع بقية أفراد أسرتهم الصغيرة والجميلة! وهنا مضرب التنس الخاص به، والذي لم يستخدمه كثيرا، وهناك سماعات جهاز الموسيقى، وكمبيوتره المحمول. إن كل ما في تلك الغرفة أصبح حزينا يشتاق إلى صاحبه، فكيف بشوقه هو لابنه الشاب البريء الذي كان يملأ دنياه ودنيا جده وجدته ووالدته فرحا من حوله.
اجال نظره ثانية في الصور الفوتوغرافية التي تظهره مع ابنه الحبيب على شرفة فندق، أو خلف مجداف قارب، وأخذ يفكر بأنه إن عاد إليه فسيبحر معه بعيدا، بعيدا جدا، ليبقوا معا الى الأبد. آه.. كم يتمنى لو تتاح له فرصة ضمه إلى صدره للمرة الأخيرة، لمرة فقط، لكي لا يتركه يغادر ذراعيه، بعد أن يدخل جسده بين ضلوعه. وأخذ يسأل نفسه: يا ترى هل ستعود الابتسامة لوجهي؟ وهل سينسيني الزمن أعز من كان معي وتركني ورحل؟ وهل سيعود أصدقائي ليقولوا لي أين ضحكتك يا أبو عبدالوهاب، التي كانت تغرد معها عيناك؟ إن العيون لا تبتسم، ولكنهم كانوا يقولون إن عيوني تبتسم!
من أجل ابنه الحبيب سيحاول أن ينسى، قد يتطلب الأمر بعضا من الوقت، وقد يطول هذا الوقت، ولكن من أجل ابنه سيحاول أن ينسى، فهو لا شك في مكان ما يغرّد مع أقرانه، فقد رحل صغيرا وبريئا وليس في عنقه دين لأحد، أو في ذمته وعد لم يف. به، أو في باله عداوة لم ينسها.

أحمد الصراف

سعيد محمد سعيد

الانقسام الطائفي… الفرصة والتهديد!

 

في الحقيقة، وجدت شخصياً أثناء متابعتي ما طرحه المفكر البحريني علي محمد فخرو في محاضرته التي حملت عنوان: «ما وراء الانقسام الطائفي» بمجلس يعقوب سيادي مساء الثلثاء (2 يوليو/ تموز 2013)، وجدت فيها ما يمكن اعتباره (وثيقة عمل للأمة) تنقذها من كابوس الانقسام الطائفي، وليتها تصل إلى مراكز البحث في الأزهر الشريف، وفي حوزتي قم والنجف، وإلى هيئات علماء المسلمين، لتكون حجر الأساس للقضاء على هذه المحنة الكبرى.

فعلى الرغم من أن الأمة العربية الإسلامية تعيش مرحلة من أسوأ مراحل انهيارها شئنا أم أبينا، إلا أنه لا يوجد مشروع متفق عليه بين علماء الأمة ومثقفيها يقرأ الواقع ويستشرف المستقبل بصورة متعمقة، ونستثني هنا الحكومات لكونها اليوم طرفاً رئيساً في تأجيج الانقسام والتناحر، وذلك يبدو واضحاً من خلال تشجيع حكومات عربية واسلامية لزيادة سطوة ذلك التناحر باستخدام علماء البلاط والاعلام الفتنوي الواسع الانتشار، حتى أن المفكر فخرو اختصر ذلك المسار بالقول: «إن العيش في التاريخ بفهم خاطيء وبصورة مسيئة نراها في المساجد والمآتم والقنوات الفضائية حيث المذهبية والطائفية تستخدم يومياً من أجل أهداف سياسية ومالية ودنيوية، ما يجعل الحل للمشكل الطائفي صعباً، ونبني بذلك إنساناً عربياً مسلماً لديه قابلية ممتازة للطائفية، يلزم حتى نواجهها، أن نتخلص من جوانب مرتبطة بالطائفية كالتاريخ والثقافة والكلمات والأوصاف».

في المجتمع الخليجي والعربي والإسلامي، هناك التجاء مؤجّج للطائفية على حساب مصلحة الأوطان، وسبب ذلك الالتجاء هو الحكومات التي تكرس التصنيف الطائفي والقبلي والعرقي بين مواطنيها. وفي شرحه لمسببات الانقسام الطائفي من هذا الباب سياسياً، لفت فخرو إلى أن «المواطن يحتمي بقبيلته وبمذهبه وبعرقه إذا كان يعيش في مجتمع غير ديمقراطي، ذلك أن الولاءات الطائفية التي تعلو على الولاء للوطن لا تأتي إلا في مجتمع تغيب فيه المواطنة المتساوية، وتغيب فيه المساواة بين المواطنين والفرص المتكافئة، فيضطر المواطن للاحتماء بالطائفية بدرجة لا تقل عن الاحتماء بالحزب والقبيلة كما هو حاصل في بعض البلدان العربية»، انتهى الاقتباس.

تلك الأطروحات العميقة التي أجاد فيها المفكر فخرو، ربطت ما بينها وبين طرح الباحث العراقي حارث حسن في مقال بعنوان: «الولايات المتحدة والشرق الأوسط الطائفي»، فبعد حضوره ندوة نظمتها إحدى مؤسسات البحث الأميركية المهمة وتناولت موضوع الانقسام السني ـ الشيعي وأبعاده الإقليمية، كان هنالك تركيز واضح في النقاشات على أن هذا الصراع الطائفي أخذ يحتل الأولوية في توجيه سياسات المنطقة ويحل محل الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وطرحت خلال النقاش أسئلة من قبيل: هل سيؤدي الانقسام السني ـ الشيعي إلى تغيير خريطة المنطقة وتفكيك بعض دولها؟ هل سيُدفع العالم العربي (السني) إلى الانفتاح على «إسرائيل»، تبعاً لقاعدة عدو عدوي صديقي؟ أم إنه سيدفع إيران والقوى الشيعية إلى تخفيف عدائها لـ «إسرائيل» لصالح التركيز على الصراع مع القوى السنية؟».

ولكن، كيف نظر المفكر فخرو إلى التقسيم واللعبة الصهيونية؟ وقبل أن أقدم ما طرحه، أود أن يتأمل القاريء الكريم ما قاله فخرو بشأن أن ظاهرة الانقسام الطائفي لا تهدد المجتمعات من الناحية الاجتماعية والسياسية، ولكنه يهدد الإسلام نفسه! فالذين يعتقدون أن الدين الإسلامي يمكن أن يكون في منأى فهو مخطيء! ولذلك قال: «جربوا التركيز على بعض القراءات وكذلك تكلموا مع بعض الشباب الذين ملوا من هذا الدين الذين يخرج من محنة إلى محنة إلى محنة ولا يقف عند محنة معينة، وهو شبيه بما جرى في أوروبا عندما أصبح الناس ينفضون من حول الدين المسيحي – ليس من الناحية السياسية – ولكن من الناحية الروحية، وبقيت الكنائس خالية لسنين طويلة وإلى اليوم في بعض البلدان. لذلك، فإن الجانب الروحي والديني ينتهي عندما لا يعرف رجال الدين والمؤسسات الدينية كيف تتعامل مع مجتمعاتها إلى أن وصلت القضية إلى النحر كما نرى في سورية والعراق واليمن أو حتى ما نراه في مصر التي لم نكن نتصور أن يحدث فيها انقسام طائفي».انتهى الاقتباس.

الآن، عن الدور الصهيوني في إثارة الطائفية، فإن فخرو يرى أنه مخطط منذ سنين لأن يتم تقسيم المنطقة على أساس قبائلي، وإن لم يفلح يتجهون إلى التقسيم الديني، وإن لم يفلح يتجهون إلى تقسيم آخر فالمهم في نهاية الأمر هو التقسيم، والمطلوب هو قراءة التاريخ قراءةً جيدة بحيث نكون صريحين تماماً ولا نغنغن في تاريخ الانقسام في الدين الإسلامي، ونتعامل معه كتاريخ ولا نخاف من أن يمس هذا الشخص أو ذاك ممن أخطأوا… حتى يعرف الناس ما خفي عنهم. لابد من قراءة المسبب التاريخي والثقافي والتربوي واللغوي فعلى المدى الطويل هناك حل، ذلك أن كل العالم عنده تاريخ يدرسه ويستفيد منه إلا نحن! نصر على أن نعيش التاريخ.. أن نرجع إلى الوراء 1400 سنة ونعيش مثل من عاشوا في ذلك الوقت».

بشكل عام، كما يرى الباحث حارث حسن، يبدو أن واشنطن، وصانعي السياسة ومؤسسات البحث فيها، باتت تعطي جدية أكبر لموضوع الانقسام السني ـ الشيعي وآثاره على الجغرافيا السياسية للمنطقة، وهنالك عدة مشاريع بحثية تجري لاقتراح توصيات للسياسة الأميركية حول سبل التعامل مع هذا الانقسام، ويمكن القول إن الجدل ينحصر بين نظريتين، الأولى تعد هذا الانقسامَ تهديداً، والأخرى تراه فرصة، لكن النتيجة التي توصل إليها الباحث هي أن «الشرق الأوسط الطائفي» يعكس حالة من النكوص السياسي، والاجتماعي، والثقافي، التي تعيشها المنطقة عموماً. وبقدر التهديدات المخيفة، التي يصنعها الانقسام الطائفي، مع هيمنة جيل من النخب السياسية، والدينية، والثقافية، والمالية، التي سلّمت عقولَها لأيديوجيات طائفية، أو وجدت فرصة في الانقسامات المذهبية لتوسيع نفوذها السياسي، هنالك، أيضاً، فرصة لتبلور إدراك واسع لخطورة المنزلق الذي نتجه نحوه، بسبب سيطرة هذه النخب، وفرصة لتبلور تيار بديل، يرى أن تفكيك هذا الصراع يتطلب تفكيك الأسس السياسية، والفكرية، والثقافية، والاقتصادية، التي صنعت هيمنة تلك النخب.