سامي النصف

شتائم الكروان

  فيلم «دعاء الكروان» الذي أنتج بالأبيض والأسود عام 1959 عن رواية لعميد الأدب العربي د.طه حسين، هو أحد أجمل أفلام الرومانسية العربية قاطبة وقد وصل الى نهائيات جائزة الأوسكار الأميركية في ذلك العام كأحد أفضل 5 أفلام أجنبية، وضمنه تقول بطلته فاتن حمامة (آمنة) ان تغريد الكروان هو في حقيقته دعاء جميل لله كل صباح من قبل الطائر المغرد نصه «الملك لك، الملك لك لك».

***

في البدء، مقال اليوم لا علاقة له من قريب أو بعيد بالقضايا المرفوعة ضد بعض المغردين كوني لم أطلع على ما كتب بعد ان هجرت منذ أشهر عدة عالم التغريد الكويتي وقبله بسنوات المشاركة في منتديات الإنترنت الكويتية بسبب كم الشتائم الهائل فيها فالفكر لدينا لا يقابل بالفكر بل بالشتم والكذب الرخيص والتجريح للأسف الشديد.

***

وواضح ان من اخترع التويتر أو «التغريد» كان يقصد منه التواصل الخيّر بين البشر لا الشتم والتشهير وهل سمع احد بكروان او كناري او كاسكو يختص بقدح الناس بدلا من إسعادهم بتغريده العذب؟!

في هذا السياق ما الفارق بين ان يُشتم شخص ما في عرضه او ذمته او دينه في الصحف المطبوعة التي لا يزيد قراء البعض منها على المئات وبين ان يُشتم على وسائل النشر الإلكترونية التي يزيد عدد القراء فيها على عشرات ومئات الألوف؟! ان من يطالبون بحرية شتم الآخرين هم أول من يجزع ويطالب بأشد العقاب عندما يصل الشتم او حتى النقد الى عتبة دارهم.

***

والأمر المحير بحق هو ان الموضوع الذي يثير الشتم والتجريح بالمنتديات الكويتية هو نفس الموضوع الذي يحوز تعقيبات وتعليقات عاقلة وحكيمة (مع أو ضد لا فرق) في المنتديات السعودية والمصرية والإماراتية التي كنت أشارك بها والتي أضفت لها هذه الأيام المنتديات الليبية التي رغم بُعد أعضائها عن الحريات منذ زمن طويل إلا انني لم أجد لديهم حتى قليلا مما لدينا من قدح وذم وتجريح.

***

هذا الضيق السائد لدينا بالرأي الآخر وتقبل الأمور بروح رياضية رغم ادعائنا بممارسة الديموقراطية منذ نصف قرن يتمثل كذلك في الضرب والاعتداء على الفرق الرياضية المنافسة لفرقنا عند الخسارة، وفي الجرائم الشنيعة التي تُرتكب في حق الآخرين بسبب نظرة او «خزة»، وأعتقد ان من الأسباب الرئيسية لتلك الممارسات هو حدة الطرح لدى كثير من النواب والكتاب والشخصيات العامة (القدوة)، إضافة الى أعمالنا الدرامية المليئة بالصفع والركل عند أول اختلاف مما يوصل رسائل خاطئة وبأقصر الطرق لأجيالنا الصاعدة بأن الشتم والشدة والعنف مقبولة عند التباين في الآراء، فالأجيال والبراعم تصدق ما ترى وتقرأ، بأكثر مما تسمع بالأذن من نصائح خيّرة.

آخر محطة:

(1) رسائل للأحبة من الشباب وهم ثروة وطننا الحقيقية، هناك فارق كبير بين حرية النقد وحرية الشتم، بين الكلام الذي يجبر والكلام الذي يدمر، بين ما يكتب ويقصد منه الصالح العام المشروع وبين ما يخط لأجل الانتقام الشخصي الممنوع، أنتم مستقبلنا وحلم بلدنا، لذا نربأ بكم عن التحول من «مغردين» يسعدون الناس بآرائهم المفيدة وأفكارهم الجميلة كل صباح، الى «شتامين» يستخدمون ألفاظا وكلمات لا يرضونها هم أنفسهم.. لأهلهم وأقاربهم!

(2) وقد يكون أحد أهم أسباب تدني لغة الحوار في المنتديات الكويتية «مندسون» و«أشباح» حاقدون على الكويت يشتمون هذا ثم يشتمون ذاك بقصد إثارة الفرقة والفتنة والتناحر بين أبناء البلد الواحد.. فاحذروهم!

آخر مقالات الكاتب:

عن الكاتب

سامي النصف

كابتن طيار سامي عبد اللطيف النصف، وزير الاعلام الكويتي الاسبق وكاتب صحفي ورئيس مؤسسة الخطوط الجوية الكويتية

twitter: @salnesf

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *