محمد الوشيحي

أسعار القبائل

إذا كان أمراء قبيلة “سبيع” الكريمة هم عائلة “أبو اثنين”، فإن بعض المرشحين حصل كل منهم على لقب قريب له في الشكل بعيد في المضمون… “أبو ثنتين”.
والأمر ليس مقارنة، يكرم “أبو اثنين” عن “أبو ثنتين”، فـ”أبو اثنين” حاز المجد والشموخ، و”أبو ثنتين” جمع خصلتين لا يجمعهما إلا وضيع، عندما قرر خوض الانتخابات الفرعية باستخدام المال السياسي وشراء أصوات أقربائه وأبناء عمومته من جهة، واستعداده لبيع أصواتهم في البرلمان لمن يدفع أكثر من الجهة الأخرى.
كل شيء عند “أبو ثنتين” قابل للشراء والبيع، فالدنيا بقالة، والمبادئ معلبة ومرصوصة على أرفف أو محفوظة في الثلاجة وعليها “تسعيرتها”، والدَّين ممنوع والعتب مرفوع.
وخذها مني واحفظها عندك: “كل من يشتري الأصوات اليوم يبيع صوته غداً، كبر منصبه أو صغر”. ولا أتألم إلا عندما يعلن “شاري الأصوات” خوضه انتخابات “فرعية القبيلة”، إذ يعني ذلك أن القبيلة التي ينتمي إليها فيها من “بائعي أنفسهم” ما يكفي لإنجاحه، أو هكذا يظن… إذا نجح فهي كارثة الكوارث وطامة الطوام، على القبيلة لا عليه هو، فالقبيلة التي صنعت – عبر قرون من الزمن – تاريخها بالدماء جاء هذا الفأر ليهدّ سد مأرب، وليؤكد بالدليل أنها قابلة للبيع والشراء، وليثبت باليقين أنها “مُسعّرة”، لا فرق بينها وبين الأدوات المنزلية وألعاب الأطفال ولوازم النساء وما شابه من السلع المعروضة في الأسواق.
وإذا كان الأمر كذلك، فيجب أن توضع القبائل، والعوائل كذلك، “المعروضة للبيع” تحت رقابة “حماية المستهلك” لقياس “معدل التضخم” قبل أن تُدرج في “البورصة” أو سوق الأسهم، كي يتسنى للجميع بيعها وشراؤها، ولتكف – تلك القبيلة أو العائلة – لسانها مرة وإلى الأبد عن التحدث بأمجادها، فلا أمجاد بعد اليوم وقد اشتراها وضيع في الانتخابات.
وكنت قد تحدثت في هذا العمود الصحافي عما كتبه البحارة الأوروبيون في مذكراتهم عن دهشتهم من الأفارقة السود، الذين يعملون عبيداً للأوروبيين لكنهم لا يكفون عن التفاخر بأنسابهم وأمجادهم التليدة، وهي كما أظن “أمجادٌ موضوعة” لا أصل لها ولا جذر. كذا هو الحال بالنسبة للقبائل العربية التي تُباع وتُشترى في الانتخابات في وقت يباهي فيه أبناؤها بتاريخها. أي تاريخ لكم يا سادة؟ إذا سلمنا جدلاً أن ثمة تاريخاً قد خطه الأجداد فلنسلّم يقيناً أنه قد باعه الأحفاد. وعلى القبيلة أن تبدأ من جديد صناعة تاريخها لتعويض خسائرها، فـ”تاريخك رصيدك”، إذا ما صرفته كله فقد خوى حسابك البنكي على عروشه، وعليك أن تجمع رصيداً جديداً “بدل فاقد” قبل أن تفاخر مرة أخرى، ولا أظن أن الوقت يسعفك.
والذي اشترى قبيلتك اليوم في الانتخابات الفرعية، سيبيعها غداً مستعملة “ساكند هاند” برجالها، أقصد ذكورها، ونسائها وتاريخها ووو مختومة على قفاها. تماماً كما يفعل شيخ القبيلة الذي “يغلّف” تاريخ قبيلته وسمعتها ومجدها ويقدمها هدية عند أقدام المسؤولين وهو خانع، فيمسح المسؤولون قفاه كما يمسح الصياد قفا كلبه الذي اصطاد له الفرائس، ويرمي له عظمة كمكافأة.
هذه هي الصورة الحقيقية للأوضاع، ومن لم يصدقني فليتنفس على مرآته ثم يمسحها بطرف كمه كي يتمكن من الرؤية بوضوح فيسمي الأمور بمسمياتها المؤلمة.

سامي النصف

بيت القرين وديوان آل الحربش الكرام

  لنبدأ بالمسلمات وهي ان سوء اختيارنا كناخبين للمرشحين هو الذي أوصل لقبة البرلمان الطاهرة ظاهرتي «القبيضة» و«الشبيحة» وغير الأكفاء والمأجورين والمتربصين ممن أحالوا العمل العام الى جحيم وتسببوا كل بطريقته في التخلف الشديد الذي نعيشه مقارنة بالجيران ممن لا يعانون من نفس الصراعات والأزمات التي تعيق التنمية و«تطفش» المواطنين والمقيمين قبل السائحين والمستثمرين.

***

خطأ الاختيار تسبب في جانب منه، وبسبب الأزمات التي تولدت عنه كذلك في عمليات الحل الدستوري وغير الدستوري والتزوير وشراء الأصوات.. إلخ، فلكل فعل كما هو معروف رد فعل، فمن يهدد ويتوعد حكومات لم تنشأ بعد ويفترض سوء النوايا بشكل مسبق في العلاقة بين السلطتين هو من يدفع الطرف الآخر في كل مرة للتدخل في الانتخابات والعمل على شراء الأصوات وخلق ظاهرة القبيضة.. إلخ، وجميعها أعراض لتلك الأمراض لذا لنحصن جسد الوطن من الأوبئة عبر بداية واعدة لـ«كويت جديدة».

***

ان انتخابات فبراير 2012 هي الأخطر في تاريخ الكويت نظرا لحجم التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية الداخلية والمحيطة التي سنواجهها، فإما فترة هدوء وتعمير أو عودة لحقبة أزمات وتدمير وتحركات شعبية تتسبب في توقف حراك التنمية وضياع بوصلة ولربما.. غرق السفينة!

والاختيار بيدنا لا بيد غيرنا لذا فلنحكم العقول والضمائر ومستقبل الأبناء، لا العواطف والعصبيات والحسابات والمصالح الشخصية.

***

إن تغيير المسار يحتاج إلى تغيير الاختيار فـ«لا» كبيرة للمرتشين والقبيضة و«لا» مماثلة للمؤزمين والشبيحة، فبقاء الكويت في المرحلة الخطيرة المقبلة يتطلب ناخبا كويتيا ذا فكر جديد لا يفرق بين معارض وموال، إسلامي وليبرالي، حضري وقبلي، سني وشيعي، رجل وامرأة، بل يهمه فقط مصلحة الوطن أولا ومصلحة الوطن اخيرا وهو ما سيحدث إن شاء الله في الانتخابات المقبلة، فالرهان على الوعي العام وذكاء الكويتيين ستعكسه نتائج انتخابات فبراير 2012 والتي ستتزامن مع احتفالية مرور نصف قرن على صدور الدستور.

***

آخر محطة: نفهم تماما ان نحتفل بالأيام الخالدة التي جمعتنا ووحدتنا كحال ملحمة المقاومة في بيت القرين الذي سالت فيه دماء الشهداء دفاعا عن وطنهم، اما العودة هذه الأيام للأحداث المؤسفة لديوان آل الحربش الكرام قبل عام وما جرى حولها من شقاق وافتراق فأمر لا حكمة فيه.

حسن العيسى

البدون وإعلان حقوق الإنسان

مضت ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بالأمس من دون أن يذكر أحد ندبة كبيرة (من جملة ندوب كثيرة) في الوجه الكويتي اسمها “بدون”، وهم “الأوادم” التائهون في فضاء الجنسية الكويتي بجنات نعمها وسخائها للفرد الكويتي، وقبل أيام أقامت منظمة هيومان رايتس ووتش وباسم الجمعية الكويتية لحقوق الإنسان حفل العشاء الخيري الذي يعقد أول مرة في دولة خليجية مثل الكويت، وكان هم الحكومة تلميع وجه الكويت في ملفات تلك المنظمة بدعوة أعضائها إلى لقاء كبار المسؤولين بحفلات العشاء الدسمة، وربما فكرت الحكومة في دهان سير وفد المنظمة بحكم عاداتنا وتقاليدنا السياسية، بينما كان الزوار من أعضاء منظمة أوضاع البدون، التي تخترق مبادئ حقوق الإنسان، وتساءل أحد أعضاء الوفد الزائر عن سبب عدم منح ٣٥ ألف فرد (من أصل مئة وستة آلاف بدون) الجنسية الكويتية طالما أنهم يستحقونها حسب الإقرارات الرسمية الحكومية، ولم يجد صاحب السؤال جواباً غير “الفورمة” المعتادة من أن البدون تصرف لهم شهادات ميلاد ووفاة وبطاقة تموين، وفي بعض الأحيان توفر الدولة سكناً للعاملين منهم في الجيش والشرطة وقطاع النفط، أما “حقهم” في المواطنة فلا يبدو أنه من الشأن الحكومي، ولا من شأن أغلبية نواب الأمس سواء كانوا من المعارضة أو الموالاة.
أكثر من ذلك ليس من حق البدون التعبير عن أوضاعهم، فالتجمع بساحة الإرادة ميزة للكويتيين فقط كما تقول وزارة الداخلية، أما البدون فليس لهم غير حق الصمت وعدم البوح عن أوضاعهم المعلقة بين المواطنة والغربة. السؤال الآن هو ما إذا كان أي من المرشحين للمجلس القادم سيتبنى قضية البدون في برنامجه الانتخابي، وتحديداً البدون المستحقين للجنسية، أم سيهمل ملفهم؟! الإجابة تكاد تكون معروفة، فالبدون ليس لهم صوت انتخابي ولا يملكون قوة ضغط سياسية كافية، وبالتالي فلا يمكن تصور أن وضعهم سيحمل أي ثقل عند معظم المرشحين، وعلى ذلك سيظل بدون الكويت في مكانهم يراوحون. وستمضي ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من دون ذكرى.

احمد الصراف

من عاداتنا وتقاليدنا

في أواخر ستينات القرن الماضي كنت أقف وحيدا في الصباح الباكر على رصيف محطة «إيرلز كورت»، بانتظار القطار الذي سيقلني الى وسط العاصمة البريطانية. كان صباحا باردا وكنت أحس بالبرد القارس يخترق جلدية حذائي، ويجمّد اصابع قدمي فوق ذلك الرصيف الاسمنتي العاري، ما هي إلا لحظات حتى شاركني رجلان في انتظار القطار، الذي لا يأتي إلا مرة كل 20 دقيقة. كانت واضحة شكواهما من برودة الطقس بالرغم من كمية الملابس التي كانا يرتديانها، وتبين من لهجتهما انهما من الكويت، وأن الأكبر سنا مريض وجاء إلى لندن لتلقي العلاج، يرافقه الآخر، الذي بدا أنه قريب له، وكان هذا الأخير يقف إلى يمين الشخص المريض. بعد دقائق، بدت كالساعات، وصل القطار أخيرا، وفتحت أبوابه بصورة آلية فقفزت الى داخله ابتغي الاحتماء بالدفء فيه، ونظرت خلفي وهنا رأيت الرجل الأكبر سنا يضع يده خلف ظهر الشخص الآخر، طالبا منه صعود القطار قبله وهو يقول: تفضل، يمين يمين، تفضل! وتعني، حسب عاداتنا، أن الشخص الذي على اليمين عادة ما يتقدم الآخرين، إن كان الجميع على درجة متقاربة اجتماعيا، على المداخل والمخارج. ولكن الرجل الأصغر سنا رفض أن يستقل القطار قبله، وتمسك بمكانه، طالبا من الآخر ان يتقدم، وأيضا واضعا يده خلف ظهر الآخر، فأصر هذا على موقفه، واستمرت محاولات الرجلين للحظات وكل يطلب من صاحبه أن يصعد القطار قبله، وهنا أغلقت ابواب القطار بصورة أوتوماتيكية، وانطلق تاركا إياهما على رصيفه البارد، والدهشة تغطي وجهيهما، وهنا رأيت شبح ابتسامة ترتسم على وجهي الذي انعكست صورته على زجاج باب القطار، ومن يومها وأنا أهتم بالتفكير في «عاداتنا وتقاليدنا».

أحمد الصراف