سعيد محمد سعيد

الضباط ليسوا فوق القانون!

 

قبل سنوات طويلة مضت، لا أعادها الله، كان بعض المسئولين الأمنيين من ضباط ومن هم أقل منهم رتبة، يعيشون في أبراج عاجية! وكان في إمكان الواحد منهم، ممن لا يحترمون القانون ولا يحترمون أمانتهم، أن يقول لمواطن ما: «سأرمي بك خلف الشمس، ولن تتحرك في جسدي شعرة»، فكان من السهولة بمكان أن يلبسك أحدهم تهمة تأخذك إلى غياهب السجون من دون أدنى حق لك في أن تعرف ما جرمك!

لكن الوضع تغير كثيرا فيما بعد، وأتذكر أن شقيقي الأصغر تعرض ذات مرة لموقف مع أحد الضباط بعد مشاجرة وقعت مع مجموعة من الشباب، فشقيقي يعمل «رجل أمن» في أحد المجمعات التجارية التابعة لوزارة حكومية، وحدث أن وقع خلاف بينه وبين مجموعة من الشباب الذين كانوا يثيرون المشكلات مع الزبائن من الفتيات، وتطور الأمر إلى اشتباك بالأيدي وصل إلى مركز الشرطة، فاستعان أحد الشباب بمعارف لديه لينكلوا بشقيقي وهذا ما حدث… فقد وقف أمام الضابط الذي لم يتأخر في توجيه لكمة إليه في بطنه وهو يستجوبه! ويبدو أن ذلك الضابط تناسى أن زمن «تسلط المسئول الأمني» قد ولى! لذلك، تحركنا مع والدي – رحمه الله – رافضين هذا التصرف الذي وصل إلى أعلى مستوى وعرض الضابط نفسه للمساءلة على فعلته «الشنيعة» مع مواطن له حقوق، بل إن أحد الوزراء، المسئول عن الوزارة التي يعمل بها شقيقي، طالب بالتحقيق في القضية ومساءلة الضابط قانونيا ليقف معتذرا متأسفا لشقيقي.

اليوم، نعيش حالة من القلق الشديد بسبب ما تشهده بلادنا من توتر سياسي وأمني، ويبدو أن على وزير الداخلية، الفريق الركن الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة، يقع الثقل الأكبر باعتباره المسئول الأول، لذلك، ليعذرنا الوزير إن غضب بعضنا وصرخ بعضنا الآخر، وانبرى البعض الثالث مطالبا بفتح التحقيق فيما يحدث ولاسيما أن هذا الظرف هو الوقت الأمثل لإبراز ثمار التغير النوعي في فلسفة وزارة الداخلية من ناحية تعزيز حقوق الإنسان ومكافحة الفساد ومساءلة أي مسئول تجاوز القانون، وهي نواح إيجابية لاشك تحسب للوزير وشهدنا بوادرها منذ تولى الوزير هذه الوزارة الحساسة.

الضباط والمسئولون الأمنيون ليسوا فوق القانون! وهذا هو موضوع النقاش الذي دار بيني وبين أحد كبار المسئولين في الوزارة بشأن الشكوى من تعرض عدد من المواطنين للأذى والإهانة وسوء المعاملة من جانب بعض الضباط، وهي صورة لا يمكن أن تتماشى مع مسار النظرة الجديدة للوزارة، فكان رده يتمحور حول أن الأبواب مفتوحة أمام أي مواطن ليتقدم بالشكوى ضد أي ضابط أو مسئول أمني أو رجل أمن تجاوز حدوده، أو من خلال أية قناة قانونية يراها المجني عليه مناسبة، ليأخذ طريق المساءلة القانونية مساره الصحيح في التحقيق، وجاء على لسان المسئول: «أؤكد لك، أنك لن ترى الضابط الذي تثبت الشكوى ضده في مكانه».

وللأمانة، فإن بعض الضباط والمسئولين الأمنيين من أبناء البلد يتعاملون بروح وطنية عالية على رغم شدة المواقف في بعض الأحيان، وهنا يبرز الدور الحقيقي لكفاءة الضابط البحريني الذي يتمكن من خلال معرفته بنفسية ومزاج أهل البلد من إعادة الهدوء والاستقرار إلى منطقة توتر من خلال أسلوبه في التعامل مع الناس… سواء كانوا معتصمين أو متظاهرين، وهذا ما حدث في اعتصام أهالي بني جمرة قبل ليلتين حينما تمكن الضابط (البحريني) بأسلوبه وكلامه فقط من ضمان الهدوء لمسيرة سلمية هادئة بلا عنف، وتكرر الوضع مساء يوم الثلثاء حينما تواصلت المسيرة من نقطة انطلاقها إلى نهايتها، بصورة حضارية وبشعارات معتدلة، بل ولم يكن هناك وجود لأية قوات أمنية.

حين أتحدث، فإنني أتحدث باعتباري مواطنا، منحني دستور البلاد حقي في المطالبة بالوسائل السلمية، ولست مع العنف من أي طرف كان، ولا أجد في حرق الإطارات وحاويات القمامة داخل الأحياء السكنية إلا ضررا يلحق بالأهالي، وحالة سيئة من الخلاف بين الأهالي أنفسهم، وليسمح لي من يختلف معي من الشباب المغرمين بالعنف أن أقول: يصبح الموقف أقوى حينما نستند إلى القانون، فتكون المسيرة مرخصة ويكون التجمهر مرخصا وذا هدف أرفع من الدخان والحجارة، وحين يتجاوز أي مسئول أمني حدوده، ويقلب عاليها سافلها، فبالقانون يمكن أن نحجه، فهو ليس فوق القانون.

وللضابط البحريني الأصيل الذي قال للمتظاهرين: «أنا بحريني مثلكم ولا أحب أن يتعرض أحدكم لسوء» نقول لك: كثر الله من أمثالك. وللجميع: الوطن أمانة

آخر مقالات الكاتب:

عن الكاتب

سعيد محمد سعيد

إعلامي وكاتب صحفي من مملكة البحرين، مؤلف كتاب “الكويت لاتنحني”
twitter: @smsmedi

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *