سامي النصف

الوظائف العامة بين الوزير والخفير

نبحث في بلدنا دائما عن الحلول السهلة اي حلول الابيض أو الاسود، المنع المطلق او المنح المطلق، والحقيقة تظهر ان الخيارين يضران البلد، ومن ذلك اعتراضنا قبل مدة على تعميم منع التدوير الوزاري كحال اعتراضنا على من اباح ذلك التدوير بشكل مطلق، بينما يجب ان تتم المحاسبة على التدوير في كل قضية على حدة، فان أُحسن استخدامه قُبِل وإن أسيء استخدامه رُفض.

في العمل الخاص يحق لمن يشتري اغلب اسهم شركة ما ان يغير فيها ما يشاء ومن يشاء، فيبقي من يبقي ويقيل من يقيل، فهو حر في نهاية الأمر في امواله، وان كان ذلك الامر – للعلم – غير معمول به في الدول المتقدمة التي تفصل عادة بين الملكية والادارة ومن ثم تمنع الاستباحة والتخريب بحجة ان هذا الطرف او ذاك اصبح يملك الاغلبية في إحدى الشركات.

في العمل العام والملكية العامة يلغى ذلك المفهوم تماما حيث لا فرق بين وزير وخفير، فالجميع يعملون بأجر لدى الدولة وللجميع مسطرة واحدة للقياس والمحاسبة، لذا لا فرق ان قام على شؤون الوزارة او الادارة بالأمس او اليوم او الغد زيد او عبيد، حيث لا مجال لتحكيم الاهواء والآراء الشخصية في العمل بل يقاس الأمر بالكفاءة والأمانة فيبقى القوي الأمين ويُحاسب المتعدي والمتجاوز على المال العام.

لذا يصعب وضع قرار واحد للاشكالات التي سمعنا بها الاسبوع الماضي في الوزارات المعنية ومن ذلك خطأ تعميم القول بأن للوزير ان يقيل من يريد من قياديي الوزارة، ومن ثم نعرّض انفسنا في المستقبل لعمليات طرد واقالة من قبل الوزراء للاكفاء من الموظفين، كما لا يجوز القول بعكس ذلك بالمطلق اي ان تُغلّ يد الوزير في محاسبة الجهاز الاداري المحسوب على وزارته فيبقى الفساد او عدم الكفاءة معششا بالوزارات والدوائر الحكومية دون بتر.

ان مقياس ومسطرة القرارات المتعلقة بكبار مسؤولي الوزارات والمؤسسات والشركات الحكومية في كل الاوقات هما حسن الاداء ونظافة اليد والامانة، فان توافر حسن العمل وجب البقاء، وان ساء العمل وجبت المغادرة ولا يمكن تصور العكس من ذلك، اي ابقاء المتجاوزين والمنتفعين من المال العام كون امر كهذا لا يقوم به شريف أبدا.

آخر محطة:
التهنئة القلبية للعقيد محمد الصبر لتعيينه ناطقا رسميا باسم وزارة الداخلية، بوهاشم هو الرجل المناسب في المكان المناسب.

احمد الصراف

عندما يختفي التسامح

نجاح البرلمان اللبناني، او اخفاقه في انتخاب رئيس جديد للبلاد، لن يغير شيئا من قضايا ومشاكل لبنان المعلقة من دون حل منذ سنوات، بلغت في بعضها ستين عاما. ومع ان لبنان سيستعيد عافيته النسبية ‘آجلا’ فانه سيبقى قبل وبعد ذلك، ولفترة طويلة في العناية المركزة، فانتخاب رئيس جديد لن يقضي على ولاءات غالبية السادة والقادة امراء الحرب اللبنانيين لهذه الجهة، او الدولة او الطائفة او الحزب، كما ان انتخاب رئيس لن يقدم او يؤخر كثيرا في مشكلة سلاح حزب الله، ولا في ولائه وانتمائه للخارج. كما ان مشكلة المخيمات الفلسطينية، التي يقطنها اكثر من 550 الف فلسطيني، اغلبهم من دون عمل، ويعيشون عالة على مساعدات المجتمع الدولي، ستبقى لسنوات طويلة قادمة، فعودتهم لوطنهم لن تكون بتلك السهولة واستيعابهم ضمن التركيبة اللبنانية سيكون دائما اكثر صعوبة، اما مشكلة الدين العام، الذي زاد على الاربعين مليار دولار، فقضية اخرى لا يبدو ان حلها سهل ولكنه ليس بالمستعصي كالحلول الاخرى، اما اكبر مشكلة يعاني منها لبنان فتتمثل في ذلك النزيف البشري، خصوصا من المتعلمين والمهنيين واصحاب الخبرات، ومن الجانب المسيحي بالذات، الذي يغادر وطنه يوميا، ونسبة منهم من دون رجعة، وقد لخص رسم كاريكاتيري هذه المشكلة على صورة حفل توزيع شهادات تخرج جامعية في المطار من قبل رئيس الجامعة، الذي وقف على سلم الطائرة المغادرة لبنان ليسلم الشهادات للطلبة ويودعهم للعمل في الخارج.
نعم، سيعود لبنان في نهاية الامر، لكنه يعود اقل نضارة واقل اخضرارا، واكثر رمادية وقبحا، والاسوأ من ذلك اقل تسامحا!!
فضيلة التسامح لدى اللبناني سهلت كثيرا في تسويق ثروات بلاده العظيمة، التي لا يمكن ان تعمل واحدة منها بمعزل عن الأخرى، والتي تشكل بمجملها كوكتيلا لا يضاهى، فهواء لبنان مميز، ولا مثيل له، وهذا سهل من صناعة السياحة فيه، ومع السياحة نمت بيوت العلم، حيث نجد في لبنان سلسلة من الجامعات والمعاهد العريقة التي غذت مخرجاتها مختلف دول المنطقة بألمع الكفاءات، كما صاحب ذلك في فترة لاحقة صناعة طبية مميزة مدعومة بخبرات طبية قل نظيرها، وكان لا بد من ان تكتمل التوليفة بعدد كبير ومميز من منابع بيع اللقمة الطيبة، والكبة التي اشتهرت بها الطاولة اللبنانية، والمضيف اللبناني الكريم، واخيرا زان كل ذلك حرية رأي ومسرح ومطبعة، وهذه جميعها لا تعني شيئا عندما يختفي التسامح من قلوب البشر، فصناعة بيع الهواء والعلاج والعلم واللقمة لا تجدي نفعا في بيئة طاردة وكارهة للابتسامة والمودة والتراحم، الذي لايمكن لصناعة سياحية مميزة ان تتواجد وتنمو وتزدهر من غيره، فمتى يعود لبنان التسامح مرة اخرى، يبدو ان الانتظار سيطول كثيرا!!
***
بمناسبة الحديث عن مستشفيات لبنان المميزة والكثير من اطبائها الاكثر تميزا، فقد تعرضت والصديق نجيب الحميضي لعملية خداع وتلاعب واضحة عند مراجعتنا ل’مركز كليمنصو الطبي’ الذي يدار من قبل مجموعة من الاطباء الفلسطينيين الذين سبق ان كان للكويت فضل عليهم.. والمستندات لا تزال بحوزتنا.. هذا للعلم فقط!!
***
ملاحظة: السيد عصام البشير، امين عام المركز العالمي لنشر الوسطية، اختفى مؤقتا عن الساحة ليترك المجال لرئيسه، ومرؤوسه في الوقت نفسه، وكيل وزارة الاوقاف السيد عادل الفلاح ليعلن عن بدء العمل في ‘برنامج علماء المستقبل’ الذي يهدف الى تخريج علماء في الشريعة تفاديا لخلو ‘الامة’ من العلماء والمفكرين الذين خطف الموت عددا منهم! وهكذا اضاف المركز، المتخصص اصلا في نشر الوسطية في العالم اجمع، نشاطا جديدا يتعلق بصنع ‘علماء’ في الشريعة، وهذا يتطلب تخصيص ملايين اضافية لهذا النشاط الجديد! ومنا الى وزير الاوقاف.
أحمد الصراف