لعلَّ من أفضل «حسنات» حركات المواطن العربي المطالبة بالحقوق المشروعة التي شهدناها منذ ثورة الياسمين في تونس واستمرارها في مختلف بقاع الوطن العربي حتى اليوم تحت مسمى الربيع العربي، هي افتضاح أمر الكثيرين من جمبازية السياسة… وخصوصاً المحسوبين على الحكومات! وسقوط الإعلام الجمبازي بعد أن قفز بصورة غير مسبوقة في الحياة اليومية للمواطن العربي.
طيلة العامين 2011 و2012 تابع ملايين العرب ألعاب جمباز مسلية جدّاً ظهر فيها أولئك الساسة على الشاشات الفضائية وهم يمارسون الجمباز السياسي في أعلى درجات الإتقان والمهارة بالصورة التي تفوقوا فيها كثيراً على وزير الإعلام (الشهير في عهد المقبور صدام حسين) محمد سعيد الصحاف، حتى أن طرفة انتشرت بين العراقيين وغيرهم تقول إن الصحاف عقد مؤتمراً صحافيّاً أعلن فيه أن اسقاط أحد تماثيل صدام كان (إنزالاً) بهدف «الصيانة» وليس كما يدعي «العلوج»! وتندر آخرون بالقول إن الصحاف «مات»! لكنه اتصل من قبره مؤكداً أنه لا يزال على قيد الحياة وسيوافيكم بالتفاصيل قريباً.
على أية حال، أسهمت «جمبازية» الساسة والمتحدثون باسم الأنظمة الديكتاتورية المتهاوية في إضافة حالة من الوعي بين الجماهير، وخصوصاً مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الإلكتروني الهائل؛ بحيث أصبح من اليسير كشف تناقضهم وتحايلهم بتقديم التصريحات المتناقضة نصوصاً ومقاطع صوتية ومرئية، وكان لنماذج النفاق والانقلاب واللعب على الحبلين أثرها في وضع أصحابها في قائمة الكذابين المتملقين المنبوذين.
*سئل أحدهم في حوار فضائي بينما كان ملايين المصريين يحتشدون في ميدان التحرير منذ انطلاقة ثورتهم يوم (25 يناير كانون الثاني 2011) عما ستؤول إليه الأوضاع في مصر، وهل سيتنحى مبارك أم لا؟ فقال :»إزاي وليه يتنحى الريس؟ فكل هؤلاء الذين يقفون الآن ضده؛ إنما هم يطبقون أجندات خارجية، ويتآمرون مع قوى اقليمية للإضرار بمصر وشعبها… شعب مصر مش هيتنازل عن الريس أبداً… فليكن معلوماً».
وبعد سقوط مبارك، شارك الرجل ذاته في مداخلة بأحد البرامج وكان «يلعلع» بعالي الصوت بأن عهد مبارك كان عهد الاستبداد والظلم والفساد والعبث بمقدرات مصر وأبناء مصر وحكم القطب الأوحد… وأنه من الناس الذين كانوا سيضحون بكل ما يملكون من أجل إسقاط ذلك الطاغية!
آخر عرفه الشعب المصري بهجومه المستمر على المتظاهرين في الميدان، وكان في كل مرة يتفنن في اختيار الصفات والتهم والافتراءات، لكنه بعد سقوط مبارك صار يتحدث عن الإنجاز التاريخي الذي حققه أبناء مصر المخلصون الأوفياء الذين (تفخر بهم مصر ويفخر بهم الجميع).
أما في اليمن، فالنماذج كثيرة، لكن أحد المشايخ؛ هاجم ثورة الشعب اليمني باعتبارها همجية وعواقبها بلاء، وأن كل الثورات لا تأتي على المجتمعات الإسلامية الا بالنكبات، ناصحاً بالعمل بالمنهج الشرعي في التعامل مع ولي الأمر وليس بهمجية «ارحل… ارحل»، حتى أنه قال: هل ترضى أميركا بأن يقال لمسئوليها :»ارحل… ارحل؟ وأن تظل غنماً بلا راعٍ؟»، فتلك الثورات في نظره ثورة ماسونية والثوار شأنهم شأن المجرمين يريدون إفساد البلد، وما أن تطورت الأحداث وتنحى علي عبدالله صالح حتى سارع في الثناء على شباب الثورة وإخلاصهم وتفانيهم وحبهم لوطنهم ووقوفهم صفّاً واحداً في وجه الاستبداد.
جمبازية السياسة أولئك ما كانوا ليظهروا ويتجاوزوا حدودهم ثم يسقطوا بعد ذلك لو كان الإعلام العربي يمتلك خطاباً مهنيّاً ووطنيّاً وأخلاقيّاً، وهذه واحدة من أهم القضايا التي ناقشتها ورشة عمل قيمة عقدت في القاهرة بتاريخ (27 سبتمبر/ أيلول من العام الماضي 2011) تحت عنوان: «آفاق الإعلام العربي في عصر الثورة»، بتنظيم من المنظمة العربية لحقوق الإنسان.
الجميل في تلك الورشة أن أسماء إعلامية لامعة ومحترمة في الوطن العربي شاركت فيها من أمثال محسن عوض، خولة مطر، علاء شلبي، محمد فائق وغيرهم، انتقدوا فتح المجال (لجمبازية السياسة)! فالمشهد الإعلامي العربي – كما شخصوه – قائم على تعظيم ثقافة الاستهلاك والتسطيح السياسي والفكري والاعتماد على التحريض والإثارة في مواجهة الجماهير، وأن أخطر ما قام به الإعلام العربي هو «خنق الحقيقة» عبر التعتيم عليها وهو دور يتجاوز التزييف، بدلاً من أن يقوم بشرح الحدث وإيقاعاته وإنزال الرسالة إلى مجرى الحياة اليومية.
خطر جمبازية السياسة والإعلام الجمبازي المساند لهم أيضاً يكمن في كونه مجرداً من الإطار المرجعي الوطني والمهني والأخلاقي، ولهذا انتشرت في الإعلام العربي مصطلحات من قبيل :»الفلول – العملاء – الخونة – المتآمرون – الفوضى – الانتقام والتشفي – الاعتصام والتظاهر – الضرب – القتل – الهمج – أعداء الوطن» وقائمة طويلة غير منتهية من المصطلحات والاتهامات والشتائم، ساهمت في تشتيت المواطن العربي أكثر مما رفعت قدرته ووعيه على الاختيار، حتى نفع ذلك في تحقيق ميزة أكبر وهي :»عدم تشرف الإنسان العربي بجمبازية السياسة والإعلام الجمبازي» ووضعهم في خانة (عباقرة الخداع والتضليل).