محمد الوشيحي

«صبيّة شعرا طاير وملبّكي»

يكمل حديثه بحرقة: وأثناء جلوسي في المقهى، شعرت بأن هناك قلقا واضطرابا في الطاولة المقابلة التي يشغلها عاشقان، كما يوحي منظرهما. كانت الفتاة تستجديه، يبدو أنها تعتذر عن أمر ما، بينما هو يشيح بوجهه عنها وينظر إلى «اللا اتجاه»… هي لم تتجاوز الثانية والعشرين من عمرها بالتأكيد، وهو يكبرها بقليل. كانت تتحدث بمشاعر حارقة. أراهن بأنه حبها الأول.
كانت منفعلة، تتكلم بشفتيها ويديها وعينيها وقلبها، صدقني كانت تتكلم بقلبها ومن قلبها، أقسم بالله على ذلك. ليتك رأيت طريقة حديثها التي توحي بأن حرارة قلبها تخجل البراكين، بينما طريقة استماعه إليها تهدد الجليد بالبرد. كان قاسيا عليها. يستمتع بعذاباتها.
وإمعانا في القسوة، اتخذ القرار دونما سابق إنذار ونهض من مقعده، فجحظت عيناها ووضعت إحدى يديها على فمها الفاغر لهول الصدمة، بينما تحركت اليد الأخرى بتلقائية لجذبه، أو جذب الحياة، تدفعها إلى ذلك «حلاوة الروح»، لكنه تخلص من قبضتها بقسوة أسقطت هيبة الصخر، واختفى ومعه الحلم عن ناظريها… فتصنّمت لبرهة، قبل أن تتحرك الدماء في يدها «المستجدية» وتضمها إلى اليد الأخرى التي تغطي فمها. لكنها لم تبكِ. كان الأمر أكبر بكثير من مجرد دموع وبكاء. ليتها بكت.
أنهى صاحبي حديثه وأغلق الهاتف بعدما سألني بجاه سني الطفولة والمراهقة التي قضيناها سويا أن أنظم قصيدة عن هذا المشهد وأن أكتب مقالا، فقلت: أما القصيدة فقد أتقن «الرحابنة» صياغتها وغنتها فيروز «دوّارة عالدوارة دار الحكي، هجروا الأحبة الحارة ليش البكي قاسي يا هوا صاير ليش القسى، صبيّة شعرا طاير وملبّكي». أما المقالة فاستقبلها.
هذا المشهد، يؤكد ما ذكرته سابقا من أن الكويت مع الأسف الحارق، تمر في «خريف الجمال»، وهو فصل لا تظهر له نهاية في الأفق. فصل طويل تتسابق فيه الأوراق الخضراء على السقوط. وبالطبع، ورقة الحب لم تكن الأخيرة، ولا ورقة الرجولة كانت الأولى… كان بإمكان الفتى ذاك، بغض النظر عن سر غضبته، التصرف بنبل وشهامة في قرار قتل الحب إن ارتأى ذلك، لكنه فضل المبالغة في استعراض قواته أمام لحظات ضعفها، وفي مكان عام. هو لم ينتزع قلبها من أحشائها فقط، بل انتزع، في طريقه، الرجولة من رأسه عندما ترك الصبيّة خلفه… «شعرا طاير وملبّكي».

آخر مقالات الكاتب:

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *