قسم يحتج على تقليص عدد الأصوات بمرسوم ضرورة وقسم آخر يؤيد، قسم سيقاطع الانتخابات وقسم آخر تملؤه فرحة المشاركة، لن أخوّن أحداً منهم لأن الطرفين فيهما المخلص وفيهما المتكسب، فيهم من سيقاطع ليقينه بالخسارة فقط، ومنهم من سيشارك لأنها فرصة ذهبية للفوز والكسب غير المشروع. لكني اليوم أريد أن أتعاطى مع الحلول الممكنة لهذه الأزمة غير المبررة أبداً، فلم يكن هناك أي داع لتقليص اختيار الناخب، لمجرد أن اختيار الناخب في المجلس الأخير لم يعجب الحكومة، فلا يوجد أسوأ من تقسيمة الحكومة للدوائر الـ25 سابقا إلا أنها رغم علاتها استطاعت الإتيان بمجالس قوية أدت في النهاية إلى مجلس أسقط الـ25 دائرة، وهو مولود من رحمها. وكذلك ليس من المقبول أبداً أن تغير الحكومة نظام الانتخابات وتدَّعي لاحقاً أن للمجلس الحق في تعديل النظام بعد ذلك، فالحكومة توجه الانتخابات بالاتجاه الذي تريد، وتتيح المجال لمن فاز بنظامها المرسوم لأن يعدل النظام أو لا، وهو يجعلنا أمام معضلة إطلاق يدها في جميع الانتخابات المقبلة بأن تأتي بمرسوم ضرورة قبل كل انتخابات يوجه الناخبين لاتجاه معين دون سواه، بشكل لا علاقة له لا بحرية الاختيار ولا سيادة الأمة ولا الديمقراطية. ولأن تراجع من قاطع صعب وتراجع من أصدر مرسوم الضرورة كذلك صعب، فإني أعتقد أن انتخابات ديسمبر إن اتفق الطرفان يجب أن تكون بمنزلة استفتاء وطني عام، ونسبة التصويت هي ما تثبت هل هي رغبة الكويت أم لا؟ بمعنى أوضح يتم تحديد نسبة تصويت تتفق عليها الحكومة مع التيارات السياسية وقوى المجتمع، تكون هذه النسبة التصويتية هي الرأي الصريح للشعب الكويتي، فإن تخطت نسبة التصويت حاجز الـ30% مثلاً من إجمالي الناخبين، فهو يعني أن مرسوم الضرورة الصادر هو قرار شعبي عام يستمر على إثره مجلس ديسمبر ويمارس صلاحياته، أما إن كانت دون ذلك فهو يعني أن المجلس يفتقد إلى الشرعية الشعبية، ويجب ألا يستمر، فيسحب مرسوم الضرورة وتتم الدعوة إلى الانتخابات مجدداً. أعلم أن الحل ليس نموذجياً ولن تجدوا الحل النموذجي اليوم، فكل الحلول المطروحة أراها أشد وأخطر وقعاً من هذا الحل، وللأسف أرغمنا دون حاجة إلى الوقوع في هذه المعضلة لمجرد أن نتائج الانتخابات الأخيرة لم تعجب الحكومة، متناسية أن اختيارات الشعب بالتمترس خلف طائفة أو قبيلة هي صنيعة حكومية بحتة، رسختها على مر السنوات، ولن يغيرها "صوت واحد" أو "عشرة أصوات"، ولكم أن تعرفوا النتائج مسبقاً بمعرفة الخيار الأول لكل طائفي عنصري متمصلح من أبناء الشعب، فستجدون أن خياره الأول سيكون خلف عائلته، طائفته أو قبيلته، لن يتغير هذا الأمر بعدد الأصوات بل بقانون لا يكسر، يطبق على الجميع دون استثناء، ويمنح الحقوق للجميع دون استثناء. قبل النهاية، تحديدي لنسبة 30% ينطلق من أن نسبة التصويت بانتخابات فبراير هي 60% تقريباً، وهو ما يعني أن 30% تعتبر نصف عدد المهتمين بالممارسة الانتخابية والعملية الديمقراطية بالكويت تقريباً. خارج نطاق التغطية: الحكومة أصدرت مرسوما لنبذ الكراهية، وحددت عقوبات رادعة جداً؛ لذلك تجعل كل من يفكر بمصطلحات كـ"طرثوث" أو "صفوي" أو "حيتان" يفكر 1000 مرة قبل التفوه بها، وبنفس الوقت تقلص الأصوات لنبذ الكراهية، فهو ما يعني أنها لن تتمكن من تنفيذ مرسومها الأول، وهو ما اضطرها إلى إصدار مرسومها الثاني. الخلاصة الحكومة لا تستطيع تطبيق قوانينها فتصدر قوانين أخرى لتشدد على قوانينها.
اليوم: 22 أكتوبر، 2012 
«ساق بامبو» السنعوسي
ولد آرثر كونان دويل، الطبيب والكاتب الأسكتلندي عام 1859، ومات عن 70 عاماً، واشتهر بكونه مكتشف شخصية التحري الشهير شارلوك هولمز، وقد لاقت رواياته في بداية القرن العشرين رواجاً كبيراً، فاقت شهرة بطلها هولمز شهرة خالقها، فقام المؤلف بالتخلص من تلك الشخصية بتدبير نهاية لها! ما لم يتوقعه هو درجة ردة فعل القراء، الذين هجموا على بيته وأتلفوا محتوياته احتجاجاً على إنهائه لحياة بطل رواياته، وهنا اضطر دويل للتصريح بأنه سيعيد شخصية هولمز للحياة في رواية قادمة، وقيل وقتها إنه شعر بالسعادة لردة فعل الجمهور بالرغم من خسارته مادياً واضطراره لكتابة قصة جديدة رغماً عنه، ومصدر سعادته شعوره بأنه نجح في إيهام القرّاء بحقيقة وجود شخصية شارلوك هولمز الخيالية، التي استولت على مشاعرهم! تذكرت تلك الحادثة بعد أن سمعت ما كتبه البعض من نقد لرواية سعود السنعوسي الرائعة «ساق البامبو»، وكيف نسبوها للفلبيني هوسيه ميندوزا الذي ورد اسمه على الصفحة 7 مع اسم المترجم واسم مدققة الترجمة! وأعتقد أن مؤلف الرواية الحقيقي، أي السنعوسي، ربما شعر بنفس شعور دويل، وكيف أن «حبكته» قد انطلت على قرائه وصدّقوا أن الرواية مترجمة، وهو ما كان المؤلف يسعى للإيحاء به، بالرغم من أن ذلك قد يسلبه حقه في نسبة الرواية له، وبالتالي حرمانه من بعض الشهرة. فإن كان من كتبها هو ميندوزا، كما ذكر ناقدو الرواية، ومن ترجمها هو إبراهيم سلامة ومن قامت بمراجعة الترجمة هي خولة راشد، فما هو إذاً دور سعود السنعوسي، علماً بأنه لا يوجد في العالم، على ذمة العم غوغل، كاتب رواية يحمل اسم هوسيه ميندوزا؟! «ساق البامبو» هي بالتالي أجمل رواية قرأتها لكاتب كويتي، ولا يعني ذلك أنني قرأت كل شيء، وقد تكون الأولى التي احتوت على كل ذلك الزخم من العواطف المتضاربة التي صبّها المؤلف بعناية وحرفية عالية في شخصية هوسيه، المولود من أب كويتي وأم فلبينية، والذي عاش في مجتمعين متناقضين حتى النخاع، وقد يكون الجزء الأكثر امتاعاً في الرواية ذلك الذي تضمن نشأة الصبي في بيئة أمه وخالته وجده في قرية فلبينية صغيرة، فما ورد في ذلك الجزء من تفاصيل دقيقة وأمور تتعلق بعادات وتقاليد وخلجات أفئدة غريبة لا يمكن أن يكتبها شاب في عمر وخلفية سعود السنعوسي الثقافية، إن لم يكن يمتلك حقاً موهبة حقيقية، وهذا ما دفع البعض للشك في أنه كاتبها. وإن كان من كتبها فلبينياً، فمن الذي دوّن الجزء الكويتي منها والذي تضمن، أيضاً، خلجات أفئدة وتفاصيل دقيقة لا يعرفها غير الكويتي؟
رواية «ساق البامبو»، التي صدرت قبل أشهر قليلة، رواية مختلفة بكافة المقاييس في أحداثها وتركيبتها، وقد تكون الأولى التي تضمنت كل ذلك المزج بين ثقافتين متباينتين، عربية كويتية، ومسيحية فلبينية، وتستحق بجدارة أن تقرأ، ويمكن الحصول عليها من www.nwf.com أو من مكتبات جرير وآفاق وذات السلاسل، كما تتوافر لدينا 30 نسخة لتوزيعها على غير القادرين على الحصول عليها لسبب أو لآخر.
أحمد الصراف