محمد الوشيحي

الكوري على قرص وسمن

الدول كالنساء، تعشق الاستعراض… والآسيويون يزوروننا، وستستعرض الكويت أمامهم. والكويت وإن كانت تخلو من الأنهار والأشجار والمعمار فإنها لا تخلو من الآثار، وبالإمكان اصطحاب الوفود الزائرة إلى "سنترال الفحيحيل"،  ليتعلم اليابانيون منا الصبر على البلاء، وهو سنترال بُني قبل سقوط الدولة السلجوقية، تحديداً في اليوم الذي بنى فيه عمر الخيام مرصده الثاني، وإن كان الخيام قد ولى هارباً وترك مرصده يهدمه الغوغاء، فإن حكومتنا لم تهرب ولم يهدم الغوغاء السنترال، ولله الحمد! وبالإمكان إبهار الماليزيين بقدرة مرضانا على تلقي العلاج في الممرات في مستشفيات الجهراء والعدان، وإثارة دهشة الصينيين بقدرتنا على بناء مشاريع "ديمو" تُنطق ولا تُكتب، وهكذا…
وليس أمامنا إلا التظاهر أمام أعضاء الوفود بالزهد في الحياة الدنيا، واقناعهم بأن الآخرة خيرٌ وأبقى، وأن الدنيا بزخرفها ومغرياتها لا تعادل عندنا جناح بعوضة، كي لا يتساءل أحد منهم عن ثرواتنا وأموال نفطنا أين ذهبت وأين أثرها على الأرض، أو يتوهم أننا قوم نسرق الكحل من العين، لذا يجب أن نقدم لهم الطعام على الأرض، وعلى سفرة من الخوص، وفي آنية من فخار متآكل، تحوي القرص والسمن، فيتناول الكوري طعامه، فيضع يده على بطنه ويتلوى، وينسيه بطنه ما هو فيه، فينتخي بأخته ويهرول بأقصى سرعة إلى أقرب دورة مياه، وهو يلعن القارة التي جمعته بنا، فيعود إلينا بعد ساعة وهو يمسح العرق من على وجهه، ويبتسم ابتسامة بلهاء، فنسقيه شراب الشعير قبل أن يستوي في جلسته، فيجف ريقه، وتدمع عيناه، ويختلي بنفسه في البر، ويكتب قصيدة مطلعها "يا وجودي وجود اللي يزور الكويت".
ليس لحكومتنا، وهي التي منحت شعوب آسيا وأقرضتها خمسة مليارات ونصف المليار دولار، إلا أن تقنع الزائرين المنبهرين من ترهل بلدنا، أنها توطّن الشعب على الصبر على الجوع والحياة البدائية، وتقنعهم بأن حياة المدينة والتطور المبالغ فيه يجلبان الهم والغم، فتروي لضيوفنا قصص ترابط آبائنا بعضهم ببعض، عندما كانت الحياة بسيطة، وكيف كان الجار يحترم جارته ويعتبرها من أهل بيته، وكيف كانوا يتبادلون الطعام على شحه، ووو، بعكس التفكك الذي يسود المجتمعات المتطورة، التي لا يأبه فيها الأخ لأخيه، ولا الجار لجاره، ولا ولا ولا، وهي لهذا تحرص على الترابط الاجتماعي بين أفراد الشعب أكثر من حرصها على الأسمنت والأسفلت…
أما إذا أصر الزائرون على رؤية تطورنا البشري والعمراني، فلنأخذهم في زيارة إلى دبي أو أبوظبي أو قطر، وهؤلاء أهلنا، وسيجبرون عثرتنا، و"الناس للناس والكل بالله" كما يقول كبار السن… ويا هلا بضيوفنا.

حسن العيسى

مجرد وعد بسيط

مجرد وعد بسيط من السلطة بأنها لن تعدل نظام التصويت سينهي صداع الرأس السياسي بسبب التجمعات والاعتصامات في ساحة الإرادة والدواوين، مجرد وعد بسيط من السلطة بأنها ستحترم الدستور هذه المرة، وعلى غير عادتها المتأصلة في نهج انفرادها بالحكم، سينهي حالة التشنج السياسي اليوم، ويغلق الأبواب أمام المزايدين والمندفعين في خطاباتهم في التجمعات السياسية.
مجرد وعد بسيط من السلطة سيضع حداً لحالة التكرار والملل النفسي التي يعانيها الكثيرون حين يسألون أنفسهم من نصدق: السلطة "الصامتة" أم المعارضة التي تتحدث دون كلل عن نوايا السلطة بتعديل نظام التصويت حتى يأتي مجلس نواب يمشي مع "المايه"، مجلس اختم وابصم "ربر ستامب" بيد أهل الحل والعقد؟
مجرد وعد بسيط من السلطة بأنها لن تنفرد وتغير نظام التصويت سيضفي عليها الكثير من المصداقية، وستقف بجانبها تجمعات سياسية، مثل المنبر والتحالف وغيرهما، التي رفضت أي تعديل في نظام التصويت، فهل تريد السلطة أن تخلق المزيد من المعارضين والمعادين أم أنها ستفكر بحصافة في أنها بحاجة في مثل هذا الوقت وأمام التحديات الكبيرة في الداخل والخارج إلى مؤيدين صادقين معها ومع الشعب قبلها، لا إلى منافقين وانتهازيين يدورون في فلكها، والذين تنحصر نصيحتهم في ثقافة "الشور شورك والرأي رأيك"، هؤلاء مجرد مرايا عاكسة للسلطة ومكبرة، تضخم الذات السلطوية وتنفخ بها، ولا تكترث بعدها لما قد يحدث في الدولة، فهي لا تنظر للغير ولا تتأمل قليلاً "غير النظر في الأنا"، والذات الأنانية النرجسية، بلعت الكثير في زمن فات، وتريد أن تهضم ما بقي؟
مجرد وعد بسيط اليوم من السلطة وننتهي من هذه الفوضى السياسية، التي تجر الدولة إلى شلل كامل في الاقتصاد والسياسة… مجرد وعد بسيط من السلطة يخبرنا بأننا في دولة ولسنا في مسرح للعرائس، يتلاعب بخيوطها حفنة بشر تتخفى خلف ستارة عالية، وتفرض علينا أن نشاهد بكل ضجر مسرحية تافهة ليس بها أبطال ومن دون معنى… مجرد وعد بسيط ينبه الناس بأنهم بشر وليسوا دمى.  

احمد الصراف

«الإخوان» في الخليج (1 – 3)

كتبت قبل ايام مقالا عن «الإخوان المسلمين في الخليج»، وقد وردتني شتائم عدة عليه، ويبدو أنني لمست جرحا حساسا، ولهذا سنعيد الكتابة عن الموضوع، ولكن بالاستعانة ببعض ما ورد في مقال كتبه في سبتمبر 2011 الباحث والكاتب السوداني عمر البشير الترابي، ابن الترابي، الزعيم الإخواني السوداني المعروف، تعليقا على كتاب صدر قبلها بشهر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث عن «الإخوان المسلمين في الخليج».
يقول عمر ان تنظيم الإخوان في الخليج هو أقدم تنظيم إسلامي في المنطقة، وموضوعه محاط بسياج من السّرية، وهذا دعا «مركز المسبار» في دبي، لإصدار كتاب عنهم. والكتاب، الذي قدم له رئيس المركز تركي الدخيل، حاول تفكيك الخطاب الإسلاموي ورصد التجربة وتحولات الخطاب، وعلاقة الإخوان بالجماعات والتيارات الأخرى في الخليج، وموقفهم من الظواهر الثقافية السّياسية كدعوات التنوير وغيرها. كما تناول أنشطتهم في دول مجلس التعاون عدا قطر. ويقول ان جذور التنظيم في السعودية تعود لثلاثينات القرن الماضي، عندما رفض الملك عبدالعزيز طلب حسن البنا فتح فرع لهم في السعودية. ولكنهم مع هذا تمتعوا بنفوذ فكري كبير فيها، ولم يعكرها غير موقف الطرفين المتباين من حرب اليمن في بداية الستينات! ويقول ان هجرة الإخوان من مصر بدأت بعد انقلاب ناصر العسكري عام 1952، وتعرضهم للسجن والمضايقات، ولم تنفرج أحوالهم إلا في عهد السادات، وفي اجتماعهم الموسع عام 1971 تَشَكّلت ملامح التنظيم الإقليمي، الذي ضمّ إخواناً آخرين من البحرين والإمارات والكويت، وعلى الرغم من هذا التوسع الجغرافي في التنظيم، فإنّ الدراسة تشير إلى أن دور الإخوان الخليجيين لم يزد على جباية الأموال(!).
ويسأل الكاتب إن كان الإخوان قد عضوا اليد التي مُدّت لهم، وأنكروا جميل إيواء السعودية لهم، ليجيب نقلاً عن وزير الداخلية السعودي الأمير نايف بن عبدالعزيز، والذي توفي اخيرا وكان وليا للعهد السعودي، إذ يقول «الإخوان أصل البلاء»، ويشير إلى تنكرهم للمملكة التي آوتهم، كما ظهر التنكر في موقفهم أثناء غزو الكويت واحتلالها.
وفي الجزء المخصص للإمارات تضمن الكتاب شهادة اثنين من أهم قيادات الجماعة في الإمارات وهما د. محمد الركن، ود. محمد المنصوري نائب رئيس جمعية الإصلاح في رأس الخيمة، وورد فيها أنّ بدايات الإخوان في الإمارات كانت في أوائل السبعينات، وبتأثير من إخوان مصر والكويت، حيث طالب طلاب البعثات التعليمية للكويت العائدين بإنشاء مؤسّسة تمثلهم في الإمارات أسوة بجمعية الإصلاح الكويتية. ونجحوا في دبي ورأس الخيمة والفجيرة، ولكنهم لم يتمكنوا من تأسيس فرع في أبوظبي، والشارقة. استقطبوا عبر الجمعيّة الطلاب والناشئة واستهدفوا مؤسسات التعليم، وسيطر أتباعها على الأنشطة الطلابية، وفي 1988 أصبح الإخوان المسلمون هم الصوت الأقوى في مؤسسات الدولة التعليمية وفي جامعة الإمارات. تزامن ذلك مع وجود ذراع إعلامية نشطة هي مجلة «الإصلاح». وقد قامت الجمعية عبر مناشطها بحملة تشويه للنظام التعليمي الحكومي في فترة الوزير أحمد حميد الطاير، وقد اعتمد الإخوان أساليب خطابية عاطفية، يعتبرها القيادي محمد الركن دليلاً على عدم نضج الجماعة حينها. وسرد منصور النقيدان، وهو من وضع الدراسة، الأحداث التي أوصلت الدولة إلى حل مجلس إدارة الجمعية وتقييد مجلتها، وإسناد الإشراف عليها إلى وزارة الشؤون الاجتماعية. وعلى الرغم من توتّر علاقة الإخوان مع الدولة فإنهم تمتعوا دائماً بعلاقة خاصة بحاكم رأس الخيمة ـ السابق -الشيخ صقر القاسمي. وإلى مقال الغد.

أحمد الصراف