عادل عبدالله المطيري

النخبة المرتزقة

يتسيد المشهد السياسي الكويتي مجموعة من الفاعلين ملأوا الدنيا ضجيجا لا جدوى منه، يحسبهم البعض علي النخبة وهم ابعد مايكونون عنها، فأكثر الناشطين السياسيين والمهتمين بالشأن العام وحتى بعض الأكاديميين هم في الحقيقة نخب سياسية موالية وغير مستقلة.

من المؤسف أن يتحول النخبوي من باحث عن الحقيقة وناقد منصف للأوضاع من حوله، إلى مجرد مشجع لطرف من أطراف المعادلة السياسية كما هو الآن.

فالحكومة لديها فريقها الخاص بها أو (نخبتها السياسية) التي تدافع عنها وتنتقد معارضيها بعنف، شكلتهم من أشخاص لا علاقة لهم بالنخبة ومواصفاتها أصلا، هم اقرب إلى المرتزقة من النخبة. والحكومة أجبرت على اختيارهم، لأنها لن تجد سواهم يمكنه التطوع الدفاع عنها، خصوصا بعد كل الإخفاقات والفشل الحكومي.

كذلك المعارضة وعلى مختلف مشاربها مارست التكتيك الحكومي نفسه، من حيث إنها أنشأت نخبة سياسية تمارس الهجوم على خصوم المعارضة وتسوق أفكارها في المجتمع، ولكنها ربما اختارت أسماء أقل سوءا من اختيارات الحكومة.

في المحصلة النهائية، غابت النخبة السياسية المستقلة والتي تقوم بدور كبير في الإصلاح السياسي عن طريق إدارة النقاشات السياسية وتناول القضايا الرئيسية للمجتمع وطرح خياراتها وحلولها بكل حيادية، حيث إن النخبة السياسية المستقلة لا تتأثر بالحكومة وامتيازاتها ولا المعارضة وشوارعها المزدحمة بالجماهير.

وغاية النخب المستقلة عادة هي تثقيف المواطنين وترسيخ مفاهيم الديموقراطية ورسم طريق الإصلاح والتنمية بكل موضوعية وبتجرد من الهوى السياسي.

للأسف تتحول النخب السياسية في الكويت من ممارسة التنظير إلى احتراف التطبيل.

 

حسن العيسى

معتادون على الدموع

"من السخف مهاجمة البدون بقنابل مسيلة للدموع، هم معتادون على الدمع، أنصح بمهاجمتهم بقنابل فرح، فهم محرومون منه"، كان ذلك "تويت" (تغريدة) لمحمد جار الله السهلي، برأيي إنها أجمل تغريدة "حزينة" لوصف حال كرب البدون المستوطن بهم، لكن د. حاكم المطيري يخترق واقعنا الاجتماعي المخجل مقرراً بـ"تويتر" أن "طغيان المجتمع ضد فئة ما أشد خطراً من طغيان السلطة"، وهذا هو جوهر الفاشية التي يمارسها المجتمع أو أغلبية الناس غير المكترثين لحال البدون، فالسلطة الحاكمة لم تكن طاغية لولا طغيان أكثرية أهل الجناسي، حين نبذوا البدون وسخفوا من كراماتهم وإنسانيتهم، ورفعوا شعارات استبطنت في اللاوعيهم الجمعي، مثل "خلهم يطلعون جناسيهم وجوازاتهم الأصلية… وإذا مو عاجبتكم الديرة شوفوا لكم ديرة ثانية…".
أمس الأول خرج أصحاب الدموع في ساحة تيماء في تجمع سلمي، بمناسبة يوم اللاعنف العالمي، فتصدت لهم السلطة بالقنابل المسيلة للدموع والهراوات، ولاحقتهم في سكك البؤس بتيماء، وصادرت حريات بعضهم وأودعتهم فنادق أمن الدولة ومخافر الخمس نجوم المظلمة. ولا يمكن وصف رد فعل نواب الضمير إلا بأنه أقل من المتواضع، فالبدون ليسوا قضية بشر محرومين من الحد الأدنى لوجودهم الإنساني، وإنما هم "قضية" جانبية من قضايا الدولة نطالب بحلها…!
الصليب النازي المعقوف، الذي رفع في تجمع مأساة تيماء، لم يكن تبنياً لشعار النازية من أصحاب الدموع، وإنما قصد به الممارسة المتغطرسة المتعالية التي لا تختلف كثيراً في مضمونها عن نازية الرفض للآخرين وعلى غير الأريين الكويتيين، وإذا فرضت النازية على اليهود في ألمانيا والدول التي استحلتها في بداية شهور اضطهادهم أن يضعوا بطاقات معلقة على جاكيتاتهم تبين هويتهم "المختلفة" عرقياً في الأماكن العامة حتى يسهل بالتالي ركلهم منها، فهنا، تم اقتباس الفكرة عبر لجنة البدون، وفرض على بدون الكويت حمل بطاقات من اللون الأزرق أو الأصفر، وهم من لهم أمل الانتماء للوطن والدخول حسب مواصفات اللجنة المركزية لأوضاع المقيمين بصورة غير مشروعة (لدينا لجنة مركزية وسجن مركزي ولله الكمال)، أما البطاقة ذات اللون الأحمر، فليس لأصحابها غير الدمع الأحمر يذرفونه مع دمائهم…
الزميلان غانم النجار وأحمد الديين في مقالين مهمين نبها إلى أن واقع البدون لم يعد مسألة تخص الكويت فقط، فالمنظمات الإنسانية التي كرست نفسها لحقوق الإنسان تبنت بشرف قضيتهم، وبالتالي وفي يوم ما، وإن شاء الله قريب، ستكبر قضيهم، ولعل دول "المعازيب"، التي تحيا الديرة تحت ظلال رماحها الحامية، ستمارس الضغط على الدولة وأهلها لتصل رسالة واضحة بأن عهود النازية والفاشية ولت إلى غير رجعة، وأن أيدي البدون ستلامس بيوم قريب زهور الربيع العربي.
سئمت اختزال الهم الكويتي في الحروب الكلامية ما بين مناورات السلطة لتدجين الممارسة النيابية وردود فعل ربعنا عليها بدعوات الإصلاح السياسي، الذي لا يشمل قضية الحق بالمواطنة كي يكون من اختصاص السلطة القضائية، فمسألة منح الجنسية رخصة لمن يعرف كيف يطرق الدرب "الصحيح" في تيه مسالك البيروقراطية الكبيرة في الدولة المتسلطة. منح الجنسية وسحبها وإسقاطها هو حكر أصيل للسلطة التنفيذية، وهي الخصم والحكم من غير معقب أو رقابة لاحقة، وهو عمل من أعمال السيادة، أي سيادة احتكار دولة الرعاية على الرعية الكويتية، أما البدون فليس لهم غير تخوم صحارينا الجرداء كي يرعوا بها، وليس بالفلاة الحارقة ظل ولا زرع ولا ماء… فليموتوا عطشاً وجوعاً، ولتتقطع أحذيتهم ونعلهم في الهرولة بين دهاليز الدولة البيروقراطية المستبدة باحثين عن "شهادة ميلاد… عن طلب للعلاج… عن طلب للعمل… عن طلب للدراسة…" فقط "سيادتنا" كريمة وحاتمية بمنح شهادات الوفاة وتراخيص الدفن، فليسكب البدون الدموع الساخنة، ليس على مأساتهم فقط، وإنما على مأساة وطن الأنانية والنرجسية المتعالي على الخواء.

احمد الصراف

اغفر لهم يا أبتي.. إنهم سفلة أشرار

في قمة الصراع السوفيتي الأميركي، وبعد تحطم طائرة أميركية ومقتل ركابها، قال صديق اشتراكي الميول إنه سيتوقف عن السفر بالطائرات الأميركية، وأن السوفيتية أكثر أمانا، لندرة تعرضها للحوادث! فقلت له إن الأمر خادع، فعدد الطائرات المدنية السوفيتية أقل بكثير من مثيلاتها الأميركية، وبالتالي نسبة سقوطها اقل، كما أن سياسة التعتيم المتبعة في تلك الدول نجحت في إخفاء كل ما هو سيئ فيها، بعكس المجتمعات الغربية المنفتحة إعلاميا! وفي هذا السياق، يعتقد كثيرون أن المجتمعات الغربية، والأميركية بالذات، تشكو من «انحلال» أخلاقي رهيب، مقارنة بــ«طهارة» مجتمعاتنا! ولكن هذا ليس دقيقا بالضرورة، فعدد سكان الدول الغربية يفوق أعداد كل الدول العربية، كما أن وسائل الإعلام هناك على استعداد لنشر أي خبر، فما بالك بفضيحة جنسية، وهذا عكس ما يجري في مجتمعاتنا، حيث التعتيم والستر هما المتبعان، إلى درجة أننا نوصي بعضنا، حتى بعد جلسة فرفشة، بالستر عما واجهنا! مناسبة هذه المقدمة تتعلق بجريمة قيام أب بالاعتداء جنسيا على ابنته لأكثر من ست سنوات، منذ أن كانت في سن الــ12، هذا غير استمراره في ضربها وتهديدها بالقتل إن هي وشت به، ولكنها امتلكت في نهاية الأمر الشجاعة لتعلم السلطات بمأساتها. وقد ورد الخبر وكأنه حالة نادرة، ولكن الحقيقة أن مجتمعاتنا «تغص» بمثل هذه الجرائم الأخلاقية الرهيبة، فقد أخبرتني سيدة أن جمعية نسائية قامت قبل سنوات بحملة إعلامية حثت فيها الفتيات والنساء اللاتي يتعرضن لأي نوع من الاعتداء، بالذات من أقاربهن الذكور، بالاتصال بالجمعية أو الحضور إليها! وتقول إنها تطوعت للعمل مع فريق «الإغاثة»، ولكنها، وبالرغم من خلفيتها العلمية والثقافية، لم تستطع الاستمرار طويلا، فقد كادت أن تصاب بانهيار نتيجة قلة النوم والإرهاق الذهني والضغوط النفسية بعد كم المكالمات التي وردت للجمعية من فتيات ونساء يشتكين من قيام اخواتهن وآبائهن وغيرهم من المحارم بالاعتداء الجنسي والجسدي عليهن، وعجزهن التام عن القيام بشيء، خوفا من التسبب في تعرضهن للقتل، أو سجن وربما قتل من اعتدى عليهن، وبالتالي انهيار اسرهن نتيجة فقد مورد رزقها المتمثل في الأب أو الأخ أو زوج الأم مثلا، من المعتدين! وتقول إن قصص الاعتداءات الجنسية والوحشية كانت، في عددها ووحشيتها، أكثر مما توقعت سماعه، وحرمها من النوم لأشهر عدة بعد ذلك، وكان يؤلمها أكثر ذلك التناقض الرهيب الذي تعيشه مجتمعاتنا، وكل مظاهر الورع والتدين التي تحيط بنا! وقالت إن بإمكانها كتابة مجلدات عن حالات الاعتداءات التي سمعتها، ولكنها تعلم جيدا مصير ما ستكتب. وقالت إن السبب الرئيسي لاستمرار «زنى المحارم» وزيادتها سنة بعد أخرى، رغم الزيادة المعادلة لها تقريبا في الجرعة الدينية، يكمن في غياب الوازع الأخلاقي عند المعتدين، وجهل المعتدى عليهن بحقوقهن كبشر! وقالت إنها بالتالي لا تستغرب عندما يطالب كثير من «قادة الرأي» في المجتمع بالستر وبحرمان المرأة من التعليم، فهي كانت ويجب أن تبقى متاعا وعورة.

أحمد الصراف