سعيد محمد سعيد

أذناب «إيران» (2)

 

اختتمت المقال السابق بكلام للمفكر البحريني علي محمد فخرو، وأعيد نصه هنا للانطلاق إلى محاور أخرى في إلقاء الضوء على التهمة «العبيطة»:

«أذناب إيران»، وهي قول فخرو: «الاخوة الإيرانيون يلتزمون بوطنيتهم الإيرانية، والاخوة العرب يلتزمون بعروبتهم ووطنيتهم المحلية، ونحن سنة وشيعة نرفض أن ننجر في معركة هي أفضل ما تريده الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في مشروعهما الاستعماري الجديد. إن مصر التي قادت النضال في الأمة العربية والأمة الإسلامية من أجل تحريرهما ونهضتهما لا يمكن أبداً أن تضع نفسها في خندق الآخرين، ومن هنا الرجاء التام أن يكون التصريح فهم بخطأ لا ترضاه مصر لنفسها». (انتهى الاقتباس).

والسؤال: هل يمكن تتبع منشأ هذه التهمة؟ وفي أي ظروف ولدت؟ هل هي من نتائج الثورة الإيرانية أم قبلها؟ إن معرفة منشأ التهمة أمرٌ في غاية الأهمية، ذلك أن انتشارها بالشكل الذي نراه اليوم، لا يمكن أن يكون محصلة طبيعية – فقط – لعنوان «تصدير الثورة الإيرانية». ولست مراوغاً هنا في القول أن كل جماعة، أياًً كان انتماؤها المذهبي والسياسي، تتصل فكرياً وسياسياً وثقافياً بمشروع ثورة في أي مكان في العالم ويثبت عليها ذلك فهي من توابع تلك الثورة، أذناباً أم أنصاراً أم خلايا نائمة، لكن أن تلصق بها التهم هكذا جزافاً فهذا من باب «الاستحمار» دون شك.

نعود للسؤال: هل يمكن تتبع منشأ تهمة «أذناب إيران» المفروضة على المسلمين الشيعة في عالم اليوم؟ هنا، يجدر بنا أن نشير إلى سلسلة أبحاث طرحها الكاتب العراقي عبدالخالق حسين تحت عنوان «الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق»، تناول فيها جانباً تاريخياً مهماً إبان احتلال العراق من قبل الجيش البريطاني في الحرب العالمية الأولى (1914-1918) وفيه شكل واضح من أشكال نشأة التهمة، فقد قاوم أبناء العشائر الشيعية، وبفتاوى علماء الدين، الإنجليز في حرب الجهاد، ومن ثم ثورة العشرين، الأمر الذي دفع الإنجليز ومن ناصرهم من العراقيين الذين حكموا العراق، إلى معاداة الشيعة وحرمانهم من المشاركة في السلطة.

ويستطرد الكاتب بالقول: «ولذلك عندما أصدرت الحكومة العراقية (والتي ترأسها آنذاك أناس ممن خدموا في الدولة العثمانية)، قانون الجنسية العراقية في العام 1924، قسمت العراقيين آنذاك إلى قسمين: تبعية عثمانية وتبعية إيرانية، واعتبرت التبعية العثمانية مواطنين من الدرجة الأولى، والتبعية الإيرانية مواطنين من الدرجة الثانية، وهم الشيعة وبالأخص من سكان الجنوب والوسط الذين كانوا يعانون الأمرين في الحصول على الجنسية والوظائف في مؤسسات الدولة، وليأتي بعد نحو خمسين سنة نظام فاشي يستغل هذا القانون المفرّق فيتخذه ذريعةً للتعبير عن حقده الطائفي، فيهجِّر مئات الألوف من الشيعة من العرب والأكراد الفيلية بحجة التبعية الإيرانية، ويلقيهم على الحدود الإيرانية الملغومة أثناء الحرب بعد مصادرة أملاكهم المنقولة وغير المنقولة، وحتى وثائقهم الرسمية من شهادات دراسية وغيرها التي تثبت عراقيتهم، ويحجز عشرات الألوف من شبابهم، وخاصة الكرد الفيلية، ليعدمهم فيما بعد بالجملة ويدفنهم في مقابر جماعية، بينما لم يتم تهجير مواطن واحد من أصل تركي أو هندي أو أفغاني أو باكستاني، مما يدل على أن سبب التهجير كان طائفياً دون أي شك، الغرض منه تغيير ديموغرافية العراق، حيث رافق تلك الحملة استيراد نحو أربعة ملايين من البلاد العربية».

وما جرى بعد ثورة 14 تموز/يوليو 1958 من حملات هستيرية، ومؤامرات ضد الشعب العراقي وحكومته الوطنية، تكررت الحملة ذاتها بعد سقوط حكم البعث الفاشي في العراق في العام 2003، حيث تصاعدت تهمة الشعوبية والحملة الطائفية ضد الشيعة، وجن جنون الطائفيين العرب ووسائل إعلامهم، بمن فيهم زعماء دول عربية كبرى، حيث راحوا يثيرون مخاوف العرب من بعبع «الهلال الشيعي»، و»الدولة الشيعية»، و»الهيمنة الإيرانية على العراق»! بينما الذي يجري في العراق هو السعي الحثيث لبناء نظام ديمقراطي حقيقي، على أساس دولة المواطنة، يتمتع فيها جميع أبناء الشعب بالمساواة في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص، دون أي تمييز عرقي أو ديني أو مذهبي.

كما وتصاعدت حملة الطعن بعراقية ووطنية السياسيين الشيعة وحدهم، واعتبر كل سياسي شيعي هو طائفي ما لم يساهم في اتهام الشيعة بالطائفية، ولم يتركوا سياسياً شيعياً إلا ونسبوا له لقباً إيرانياً، وطعنوا حتى في شهاداتهم الأكاديمية.

في كتابه «أبحاث مختارة في القومية العربية»، وتحديداً في جزئه الأول صفحة 95، كتب ساطع الحصري «إن كل شعب يتكلم العربية هو شعب عربي، ومن ينتسب إلى شعب من هذه الشعوب العربية، هو عربي…الخ»، ولكن المشكلة عند الحصري أنه عندما تعود المسألة للشيعة العرب في العراق، فيصفهم بالعجمة ويعاملهم كعجمٍ معادين للعرب وليسوا من بلاد الرافدين!» (الفصل السادس من هذا الكتاب).

ختاماً.. فإن الإطالة في استحضار المزيد من القراءات والآراء والأبحاث في منشأ التهمة السخيفة لربما يأخذ صفة التشعيب والتعقيد الذي لا طائل من ورائه طالما أن هناك عقولاً قبلت التهمة بوصفها «ثابتة بالمطلق»!

لا بأس.. فحين يتم ضبط خلايا شيعية هنا، أو مجموعة شيعية هناك في أي قطر، بالأدلة الدامغة على تآمرها مع إيران، فلهم أن يسموهم بما شاءوا من تسميات «أذناب إيران، فئران إيران، روافض إيران»، أما أن تلتصق تلك التهمة بتمامها وكمالها على كل مسلم شيعي في أي مكان في العالم، فذلك من قبيل «قمة الاستحمار السياسي الطائفي»، وذلك أيضاً أفضل ما تريده الولايات المتحدة الأميركية و«إسرائيل» في مشروعهما الاستعماري الجديد، وهو درسٌ قدّمه المفكر البحريني علي محمد فخرو لكل عقل يرفض «الاستحمار».

آخر مقالات الكاتب:

عن الكاتب

سعيد محمد سعيد

إعلامي وكاتب صحفي من مملكة البحرين، مؤلف كتاب “الكويت لاتنحني”
twitter: @smsmedi

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *