سامح الله من قال إن العرب تجمعهم لغة واحدة. سحقاً لأمه، كيف ذا ونحن في الكويت لا يفهم بعضنا حديث بعض! للسلطة لغتها الخاصة بها، لا يفهمها إلا أنصارها ومحبو عطاياها وقوافل مساعداتها، وللمعارضة لغتها الخاصة، وهي لغة يستخدمها السكان ممن لم يجروا عمليات “إزالة المرارة”.
وسقى الله أحمد مطر، الشاعر العراقي الثائر، الذي سخر من اجتماعات القمم العربية وشخر، وكتب واحدة من أجمل القصائد عن طريقة الحوار ونوعيته:
“مر (شعواط) الأصم
بالفتى( ساهي) الأصم
قال ساهي: كيف أحوالك… عم؟
قال شعواطُ: إلى سوق الغنم.
قال ساهي: نحمد الله … بخيرٍ.
قال شعواط: أنا شغلي الغنم.
قال ساهي: رضة في الركبة اليمنى
وكسرٌ عرضيٌ في القدم.
قال شعواط: نعم… أقبل الشغل
فلا عيب بتحميل الفحم.
قال ساهي: نشكر الله… لقد زال الألم.
قال شعواطُ: بودّي… إنما شغلي أهم؟ لمَ لا تأتي معي أنت إلى سوق الغنم؟
قال ساهي: في أمان الله… عمي،
إنني ماضٍ إلى سوق الغنم.
الحوارات لدينا
هكذا تبدأ دوماً… وبهذا تختتم.
اسمها الأصلي “شعواطُ وساهي”
واسمها المعروف رسمياً “قمم”.
انتهت قصيدة أحمد مطر، ولم تنتهِ مآسينا. وإذا كان شعواط وساهي تقابلا وتحدثا، فإن السلطة والمعارضة الشعبية في الكويت لا أمل في لقائهما، لاختلاف اللغات، إلا باستخدام الإشارة أو الهراوة.
اليوم: 25 سبتمبر، 2012 
هراوات على رؤوس الأطفال
كله عند هراوات القوات الخاصة صابون، فلا فرق بين رأس د. الوسمي في تجمع ديوان الحربش، أو رأس الطفل البدون الذي لم يبلغ 12 عاماً، فالكل سواسية أمام هراوات الشرطة، الرأس منبع التفكير والتعبير، وأفضل موقع للتأديب والتعذيب، حين تنزل الهراوة عليه للردع وتعليم الناس، ولو كانوا أطفالاً، أصول الأدب واحترام القانون، وهذا الاحترام “الواجب بدولة القانون” في أدب الضحايا لا يعني غير الترويع من أنياب الدولة حين يكشر “فامبير” (مصاص الدماء) عن أنيابه على المساكين.
الصور التي نشرت في جريدة “الكويتية” عدد أمس الأول بعنوان “مجموعة 29: الكويت تنتهك حقوق الأطفال البدون…” مقرفة، مثيرة للغضب ومستفزة لكل من يملك ذرة ضمير في دولة “الدستور والقانون” ولا بارك الله، لا بدستوركم ولا بقوانينكم إذا كان هذا تعاملكم مع الأطفال، وبالتأكيد مع الكبار لنا أن نتخيل كيف يكون هذا التعامل “الإنساني”، كانت صورة لطفل صغير يقف في تيماء وهراوة رجل من القوات الخاصة، (خاصة لقمع الناس) يهوي بها على رأس الصغير، وبقية سباع القوات الخاصة كانوا واقفين من الخلف، وكأن شيئاً لا يعنيهم، عندهم المشهد عادي، وهو مجرد حلقة تأديب بسيطة لطالب (وهو طالب هوية إنسانية) في مدرسة “أولفر تويست” للأيتام في رواية تشارلز دكنز.
لا فائدة من إعادة ترديد حوادث “اللااعتبار” التي نشرت في التقرير، وأعادت ذكرها ابتهال الخطيب في جريدة الجريدة، من تناسي وضع طفل ذكرت أمه أنه بلغ 14 ربيعاً، ولا يحمل من وثائق رسمية غير “بلاغ الولادة”، إلى العسكري الذي خدم في الجيش وأُسِر أثناء الاحتلال، وبعد التحرير طالبوه بتعديل وضعه القانوني حسب متطلبات البقاء في “الجنة الكويتية”، ودفع 4 آلاف دينار لجواز أردني، ثم تبين لجهات الاختصاص أن الجواز “مزور”! تهمني كل تلك الانتهاكات “لكرامة” البشر، والكرامة هنا أسمى من كلمة “حقوق” وأغلى، إلا أن صورة الطفل المعدوم الهوية والهراوة التي نزلت على رأسه، تتطلب الكثير من التفسير من وزارة العين الساهرة على الأمن، فهل ستحقق تلك الوزارة في سلوك أبطالها؟ وهل ستتحرك الجمعية الكويتية لحقوق الإنسان، وأيضا جمعية المحامين الكويتية لتقديم بلاغ عن جريمة “الأذى البليغ” ضد الجاني والجناة؟ وشكراً لمجموعة 29 فقد كفوا ووفوا… وسننتظر ولن ننسى.
مخالفات الخيريات
بعد المذكرة، الفضيحة، التي رفعتها موظفة إدارة الرقابة على الجمعيات الخيرية لوكيل الوزارة، ضد أحد كبار مسؤولي الجمعيات، الذي تعرض لها بالإهانة، لأنها كشفت مخالفاتهم، وضد مديرها المباشر في الوزارة الذي رفض اتهاماتها ورفض التعاون معها، وفي محاولة من الأخير، ربما لرد الاعتبار لنفسه، قام السيد بدر العوضي، مدير إدارة الجمعيات الخيرية في الشؤون، بالتصريح للصحف (القبس 8/30) بأن الوزارة «رصدت» قيام سياسيين بجمع مساعدات لسوريا وبورما، من دون إذن! وأن هناك مخالفات لجمعيات في رمضان الماضي! وهنا، بدأت الضغوط النيابية على الشؤون لطمطمة مخالفات التبرعات «السياسية»، وصدرت الأوامر بمنع العوضي من الإدلاء بأي تصريحات إعلامية!
يذكر أن هذه المخالفات طالت سياسيين من المنتمين لأحزاب منافسة ومخالفة للحزب الديني السياسي الذي ينتمي إليه السيد العوضي! وقد نشرت جريدة «الجريدة» في اليوم السابق لتصريح العوضي صورا لسندات قبض، بيّنت قيام جمعية الإصلاح، الفرع المحلي للإخوان التابع للتنظيم العالمي، بجمع تبرعات بصورة غير قانونية، وهي سندات لا تحمل شعار الوزارة ولا ختمها! ويحدث ذلك بالرغم من تصريحات مسؤولي جمعية الإصلاح بأنهم ملتزمون بكل قوانين الوزارة المنظمة لجمع التبرعات، وأنه لا توجد «مخالفة واحدة» على الجمعية، وهذا كذب بواح طبعا! وبالتالي، فإن المخالفات كبيرة وكثيرة، وكل طرف يحاول تعرية غيره، والتغطية على مخالفاته، وهنا يبرز الدور الحساس والموقف غير المريح الذي وجد السيد محمد الكندري، وكيل الشؤون، نفسه فيه، فهو مضطر من ناحية، ولأسباب سياسية، للتغطية على بعض المخالفات، بناء على تعليمات عليا ربما، ومن جانب آخر، مطلوب منه، ولأسباب سياسية، أيضا، الكشف عن مخالفات أخرى، ويحتاج الموقف إلى سوبرمان للتعامل مع هذين الوضعين!
إن مسألة التبرعات الخيرية ليست مشكلة تقتصر على الكويت، فلا شك في أن هناك مخالفات رهيبة مماثلة في دول الخليج الأخرى، ولكن عدم وجود صحافة «مزعجة وجريئة» أبقى المشكلة «مكتومة»، كما تشكو دول غنية كبرى كأميركا من مخالفات جسيمة في صناديق واستثمارات كثير من الكنائس والمبرات، وقد تورط رجال دين كبار في قضايا اختلاس مئات الملايين منها، وانتهت الحال ببعضهم إلى السجن، وهروب بعضهم الآخر بما حمل.
إن المسألة تتطلب حزما، وهذا الحزم لا يمكن أن يأتي من حكومة تخاف من ظلها، وطالما أن الحزم مفقود، فإننا نطالب أصحاب الضمائر النائمة بالانضمام إلى الجمعيات المسماة بالخيرية، وتولي أعمال جمع التبرعات فيها، لأن الثراء السريع مضمون وسهل.
أحمد الصراف