عادل عبدالله المطيري

جبهة حماية الدستور القديم

دستورنا قديم قدم الاستقلال، كان يعد إنجازا حضاريا في وقت المؤسسين الأوائل، وكان كل ما استطاعوا أن يحصلوا عليه بالتوافق مع السلطة آنذاك، وكانوا يأملون أن تأتي أجيال تستطيع ان تحصل على المزيد من المكتسبات الشعبية، لذلك وضعوا الآلية التي تحدد كيفية تطوير الدستور وشكل ونوعية التغيير، ولكن ترك الدستور دون تطوير، بل جمد العمل به سنين عديدة، حتى أصبح مع مرور الزمن وتعقد الحياة السياسية عبئا ثقيلا على كاهل الجميع، بل لا أبالغ ان قلت انه عبارة عن كتاب مليء بالرموز التي يصعب فهمها او ادعاء عدم فهمها، وبالتالي كثرت طلبات التفسير لنصوص الدستور.

بنود الدستور تناقض بعضها البعض، والصلاحيات فيه متناثرة بين أكثر من جهة ومتداخلة، تخيل ان الحكومة ومع نواب الأقلية يستطيعون شطب أو تأجيل الاستجواب (اي تعطيل مواد الدستور وعن طريق الدستور نفسه)!

السلطة التشريعية في الدستور هي أضعف السلطات على الرغم من انها تشكل عن طريق الشعب مباشرة، والذي هو مصدر السلطات واقعيا ودستوريا، حتى ان مشاريع القوانين التي يقرها مجلس الأمة تردها الحكومة ووفقا للدستور، وإذا طلب مجلس الأمة عدم التعاون مع رئيس الحكومة فسيحل البرلمان وفق الدستور أيضا، ويعاد رئيس الحكومة مرات عديدة!

دستورنا لا يستحق جبهة لحمايته بل لتطويره، إلى مزيد من الحريات والمكتسبات الشعبية، وإعطاء الكثير من الصلاحيات للسلطة التشريعية الممثلة له.

سامي النصف

الخيارات الأربعة للمحكمة الدستورية

  الكويت أمام مفترق طرق حيث ينتظر الجميع كما ذكرنا سابقا حكم المحكمة الدستورية الذي يعكس ما تمليه ضمائر قضاتها الأفاضل من أبناء الكويت البررة الذين لا يقبل الشعب الكويتي الإساءة اليهم عبر التشكيك في أحكامهم التي هي عنوان الحقيقة، كما لن يؤثر فيهم ـ قطعا ـ أي حشد مهما كبر أو خطاب مهما علا.

***

الخيارات الأربعة على الأرجح لحكم المحكمة الدستورية القادم هي:

الأول: أن تحكم المحكمة بعدم الاختصاص وان هذا عمل تشريعي وتنفيذي لا يرغب القضاء في أن يدخل نفسه فيه وبالتالي ينأى بنفسه عن الأمور السياسية وحكما سيعني حل مجلس 2009 وقيام انتخابات تشريعية بعد شهرين على معطى الدوائر الخمس والأصوات الأربعة تنتهي بنتائج قريبة من نتائج تحالفات مجلس 2012.

الثاني: ألا ترى المحكمة ان هناك نزاعا قائما بين الحكومة والمجلس يوجب الحكم فيه ويرى بعض المختصين في المقابل ان القضية لا تحتاج الى خصومة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، بل ان المختصم هو النص الدستوري بذاته.

الاحتمال الثالث: ان تصدر المحكمة حكمها بعدم عدالة نظام الدوائر الخمس القائم لعدم تساوي أعداد الناخبين بين الدوائر، ومن ثم ترسم خارطة طريق جديدة للدوائر تصدر بعدها الحكومة مراسيم للدوائر الانتخابية، وقانون الانتخاب يأتي عاكسا لذلك الحكم الذي قد يحتوي أو لا يحتوي على عدد المرشحين الذي يحق للناخب التصويت له (أربعة، اثنان، واحد).

الاحتمال الرابع: ان تتصدى المحكمة للموضوع برمته أمام خلاف وعجز السلطتين الأولى والثانية عن حله فتتصدى لموضوع الدوائر ولعدد من يحق للناخب التصويت لهم وبذلك تطفئ النار المستعرة وتحافظ على أمن الكويت خاصة وقد تصدت المحاكم الدستورية في كثير من البلدان لكثير من القضايا الخلافية المزمنة وحسمتها، وما وضعت المحاكم في الأساس إلا لإنهاء الخلافات لا بقائها عالقة، وحفظ الله الكويت وشعبها مما يخطط لها من أمور.. وما أكثرها!

***

آخر محطة:

(1) ضمن الفهم العقيم والقمعي للأمور ما يقوله بعض المختصين وغير المختصين من ان الحكم يجب ان يتم بهذا الشكل أو ذاك، مستشهدين بنصوص يرون انها تدعم ما يطرحونه دون ان يوضحوا ان نفس النصوص يراها خصومهم انها تدعم منطلقاتهم.

(2) الدساتير والقوانين نصوصها ثابتة، ويقوم الخلاف والتنازع على تفاسير النصوص التي يختص بها القضاة الأجلاء لا ممثلو الأطراف المتنازعة، وعليه فجميع الأحكام الأربعة المحتملة وغيرها هي أحكام صحيحة كون الحكم بذاته هو عنوان الحقيقة، وكل شيء عدا ذلك.. زيف وبهتان.

احمد الصراف

الطائي اليوناني

عندما عدت إلى غرفتي، في ذلك المنتجع اليوناني الجميل الواقع على بحر ايجه، تبين انني نسيت بعضا من أوراق النقد على الطاولة، وأن من تقوم بتنظيف الغرفة قد عثرت عليها ووضعتها على مكتبي. اتصلت بمدير الغرف وأبديت له تقديري لأمانة موظفته، وطلبت منه إرسالها لكي أكافئها، فرد بكلمات مجاملة وقال إن هذا واجب عليها، ومن طبيعة عملها، وهي بالتالي لم تفعل شيئا غير عادي لتكافأ. فقلت له إنني لو كنت مكانه لما ترددت في وضع اسمها وصورتها على لوحة «أفضل موظف»، أو موظفة الشهر، لكي تكون قدوة ونشعرها بالتقدير! فاجأني رده بقدر ما اثار اعجابي، حيث قال إن القيام بكيل المدح لها أو الإعجاب بعملها يعني أن القاعدة هي عدم أمانة بقية موظفي المنتجع، وأن ما قامت به أمر غير عادي، وبالتالي استحقت عليه التقدير والثناء، وهذا غير صحيح. فهم يفترضون أن أمانة الموظف أو الموظفة أمر مفروغ منه، ولا يحتاج الأمر للطبل والزمر، وهو جزء من شخصية كل فرد ونوعية تربيته! حدث هذا في بلد يعاني من أزمة اقتصادية خانقة، ومع عاملة متواضعة المكانة والأجر! وقد ذكرني كلام المدير بأخينا حاتم الطائي، فنحن، ومنذ أكثر من ألف عام، لم نتعب يوما من ترداد قصة كرمه وخلقه، إن في احاديثنا أو أدبياتنا، أو حتى في مناهجنا الدراسية، وضرب المثل بكرمه، وكأن ما فعله أمر مثير للعجب، ويعني إصرارنا الحديث عن كرمه وكأننا نعاني من عقدة نقص، وبالتالي بحاجة لسرد قصته لدرء التهمة عنا! كما يعني، وهذا هو المهم، ان ما قام به الطائي لم يكن امرا اعتياديا، فلو كان المجتمع الذي وقع فيه الكرم مجتمعا كريما أو قريبا منه، لما بقيت قصته عالقة في الأذهان كل هذا الوقت، مع كل ملابساتها التي لا شيء يؤكد حقيقة وقوعها بكل تفاصيلها، بل يعني ان الكرم كان، وربما لا يزال، أمرا نادر الحدوث، وهذه حقيقة ألمسها كثيرا في حياتنا اليومية، فنحن، بشكل عام، لسنا بكرماء، وما نجده من كرم يكون غالبا مقرونا بجانب ديني، فمن يكون كريما يتوقع أن يكون لكرمه مردود في صورة ثواب وأجر، وهو بالتالي كرم مشروط، وليس كرما نابعا من نفس لا تبتغي غاية أو رجاء غير خدمة المجتمع، اقول ذلك من واقع تجربتي الشخصية في جمع التبرعات للأغراض النبيلة والخيرة، حيث أعاني الكثير من رفض «أثرياء ومقتدرين» للمساهمة حتى بالقليل من المال في مشاريع عدة، فقط لأنها غير مخصصة لبناء مسجد أو طباعة كتب دينية أو حفر آبار وتدريس دعاة، وهنا أجد صدا! ولا انسى قصتي مع رجل أعمال قصدته للتبرع لمدرسة للمعاقين، حيث رفض طلبي فلم اتردد في أن أقول له إن رفضه نابع من منطلق ديني، وأنه يعتقد بأن ليس للمشروع أجر أو ثواب عند الله، فوافقني على قولي! وهذا عكس ما عايشته في سنوات غربتي، فالكرم هناك، وخاصة للأغراض الجميلة والنبيلة من مساعدة أطفال أو لبناء دار للعجزة أو للأوبرا، أو حتى أي مشروع ثقافي أو إنساني، أو مأوى للحيوانات الضالة أمر عادي ومنتشر كثيرا، وليس غريبا بالتالي ألا نجد بين جميع منظمات الإغاثة العاملة في مهام بالغة الإنسانية في الصومال وأفغانستان والسودان، غير الغربيين، وهي المناطق نفسها التي ساهم «إخوتهم واشقاؤهم في العقيدة واللغة» في تخريبها، وهذا التطوع هو أسمى درجات الكرم ونكران الذات.

أحمد الصراف