محمد الوشيحي

السعدون… البعير العماني

هم هكذا أعداء الجمال، قلوبهم متصحرة، تكره ألوان الورود، وقطرات المطر، والضحكات الصافية، وتحقد أكثر ما تحقد على الناجحين.
تلقائياً يتمايل عشاق الوطن مع كلمات الرئيس الشعبي أحمد السعدون، ويصفقون إعجاباً بصوت رقرقة الماء في نهر عطائه الذي لا ينضب، هذا النهر الذي يسقي زروع البسطاء، بعد أن حاول “باشاوات النفط” حصره على فدادينهم… يقابل هذا التصفيق للرئيس زعيقٌ ونهيق بحجة “لا تقدّسوه”. يقولون ذلك وهم يسبحون بحمد كل لص يشفط خيرات البلد شفطاً مبيناً.
وبعفوية يتحدث أحد الأصدقاء: “أنا اكتفيت بالتصفيق في قلبي للسعدون ولمسلم البراك وغيرهما من الأحرار كي لا يتهمني أحد بتقديسهم”، قلت: “أنت لم تصفق لهم في قلبك، بل تحت الطاولة، وكأنك تسرق، وكأنك ترتكب إثماً، وكأن الثناء على العطاء منقصة”، قلت ذلك وأضفت: “فوقها لا تحتها، صفق فوق الطاولة لا أم لك، صفق بأعلى ما في كفيك من صوت ليسمعك من في أذنه صمم، صفق وارفع يدك ببطاقتك الشخصية أمام الكاميرا كي يقرأ الناس اسمك، كما يفعل عساكر بشار عند انشقاقهم عن جيشه وانضمامهم إلى الجيش الحر، صفق ولا تأبه بالنعيق ولا الفحيح ولا الزعيق، صفق كي يقتدي الجيل الجديد بالأحرار، صفق”.
منذ عرفنا السعدون وهو مستمر في خطه، كالبعير العماني، لا يلتفت لحصاة أصابت سنامه، حذفه بها سارق غاضب، ولا يكترث بصيحة خرجت من حنجرة جفّت بعد أن سال لعابها طويلاً على أموال البلد… هذه طبيعته، يصبر وإن جف ريقه كما يصبر البعير، ويثبت في مسيره، كما يثبت البعير، هذه شخصيته التي أحرجت كارهيه وأبهرت محبيه، فلماذا لا نصفق؟
تقوّلوا عليه، فلم يرد، افتروا واختلقوا القصص والروايات، فلم يلتفت إليهم، كانت كلماتهم كالزجاج الحاد، وكان كالجدار، تكسّر كل الزجاج لحظة ارتطامه به.

وكما تفخر الشعوب بأبطالها ورموزها، نفخر نحن ونفاخر بسعدوننا، فكيف يخجل من يفخر؟ ولو أنه تعنصر ما صفقنا له، ولو كان طائفياً يقتطع الأشجار ليبيعها ورقاً ما أيدناه، ولو كان متعجرفاً ينظر إلى الناس من الشرفة ما أحببناه، ولو كان أو كان أو كان، ما كنا ولا كنا ولا كنا… لكنه كان ومازال، فكنا ومازلنا، كان يحترق لأجلنا ومازال، وكنا نصفق له ومازلنا… فوق الطاولة.

سامي النصف

لقاءات غرب وشرق!

استضافنا قبل مدة الزميل د.عبدالله الشايجي في الحلقة الاولى لبرنامجه الشائق «الطريق الى البيت الأبيض»، ومما ذكرته في تلك الحلقة تذكيره بما قلته قبل أربع سنوات ضمن نفس البرنامج وقبل ظهور نتائج الانتخابات بين أوباما وماكين من ترجيح فوز الأول وما سيحدث في المنطقة العربية كنتيجة لذلك الفوز المرجح.

***

حينها ذكرت أن الرئيس المحتمل أوباما يمثل فكر اليسار الأميركي الذي يعكس آراء مستشار الأمن القومي الأسبق د.زبنغيو بريجينسكي، وان معرفة المستقبل تعني ضرورة النظر للماضي، أي ما حدث ابان حقبة ذلك المستشار الذي عمل بشكل لصيق مع الرئيس كارتر فتساقطت الأنظمة اليمينية الموالية للغرب بفعل ثورات الشعوب كما حدث في إيران وغيرها، وكان للإعلام الليبرالي الأميركي دور مهم في تلك الثورات، كما كتب د.بريجينسكي في منتصف التسعينيات كتابه الشهير «الفوضى على أعتاب القرن 21» الذي تنبأ فيه بأن فوضى عارمة ستسود منطقة الشرق الاوسط التي ستشتعل بها الحروب الدينية والطائفية والعرقية والتي قد تستخدم بها أسلحة الدمار الشامل.

***

والتقيت بشكل مطول قبل أيام بوفد صيني زائر يمثل «المنظمة الصينية للتفاهم الدولي» وهي مستودع عقول صيني فاعل أسس عام 1981 له تأثيره الموجب في رسم سياسة الصين الخارجية، ومما قلته للوفد إن ثقافة «المغفرة والنسيان» غير معمول بها لدى العرب الذين مازالوا يذكرون ويكرهون الانجليز بسبب إصدارهم وعد بلفور عام 1917 رغم جهود الانجليز الفاعلة لوحدة العرب (وحدة مصر والسودان، وحدة امارات الجنوب اليمني، وحدة دول الهلال الخصيب، وحدة دولة الامارات، إنشاء الجامعة العربية… إلخ)، كما يذكرون ويكرهون الأميركان رغم أنهم لم يستعمروا العرب قط، بل هم الداعم الاول للتنمية في الوطن العربي، كونهم كانوا يستخدمون حق الفيتو بوفرة ضد القرارات الدولية التي تدعم القضية الفلسطينية أو تدين بعض الاعمال الاسرائيلية.

***

وذكرت للوفد أن سورية أكبر مساحة من فلسطين بمرات عدة كما أن عدد سكانها يفوق بكثير عدد الفلسطينيين، وعليه فإن تدهور الأوضاع في سورية الى حدود الحرب الاهلية والانشطار والتفتيت، كما نتوقع ويتوقع بعض المحللين، سيجعل الصين تدخل في التاريخ والذاكرة العربية وبسبب حق «الفيتو» الذي تستخدمه هذه الايام تجاه القرارات الدولية المختصة بسورية بشكل سيئ وسالب، كما دخل قبلهم الانجليز والأميركان وان الوضع الامثل للصين كان يقتضي منها إما الوقوف مع الشعب السوري والشعوب العربية المتعاطفة معه، أو على الاقل التزام الحياد بين القاتل والضحية كما تم ابان الثورة الشعبية ضد القذافي، وذكرت أن الصين مؤهلة لقيادة عمل يوحد الجهود في قارة آسيا ويقرب شعوبها ويساعد على إنهاء خلافات دولها كحال الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي وبقية الاتحادات القارية الاخرى.

***

آخر محطة: سيفوز الرئيس أوباما في الانتخابات المقبلة، وستزداد الاوضاع الأمنية والاقتصادية والسياسية سوءا في دول الشرق الأوسط، وستشهد بعض دولنا «ربيعا خليجيا» كحال الربيع العربي الذي أحال الانظمة المستقرة (ديكتاتورية أو حتى ديموقراطية) الى دول فوضى وحروب ودمار سينتج عنها في النهاية بلقنة دائمة وإعادة رسم خرائط وانشغال كل دولة بداخلها لأجل غير مسمى.. العرب بحق هم.. آخر الهنود الحمر!