الله يرحم حامد الأطمس، الشاعر المصري المبدع البائس التعس، الذي غاص حظه في وحل التعاسة حتى جاءت وفاته، وهو في الأربعين من عمره، في يوم وفاة أم كلثوم، فصار نسياً منسياً، ولم يسمع نحيب أهله وصحبه عليه أحد.
الله يرحمك يا الأطمس، يا من طمس سوء الحظ ذكره، في حياته ومماته، ولولا بعض الكتابات المتفرقة الخجولة عنك ما كنا قرأنا أزجالك ولا شعرك الباكي.
صاغ أجمل أزجاله وهو في منجرته في دمنهور، فكتب عنه رجاء النقاش وفتحي سعيد وغيرهما، وأثنى عباس العقاد على “الواد النجار بتاع دمنهور”، ومنحته لجنة الشعر الميدالية الذهبية، فجلبها في السوق ليشتري بثمنها تذكرة تعيده إلى بيته ومنجرته في دمنهور!
يصف الأطمس حظه زجلاً:
“أنا لو شكيت اللي مابي للحديد ليدوب
ولو حكيت للحجر حاتتخلق له قلوب
اللي أسيته وشفته يا عزيز عيني
لو شافه أيوب.. وديني ما صبر أيوب”
وكم من أطمس في أيامنا هذه، يملك من الأدب والإبداع ما يبهر ويسحر، إلا أن نصيبه من الشهرة كنصيب الأطمس… على رأس قافلة الأطامسة شاب كويتي عبقري ثائر اسمه خالد الجعفري، لولا ظهوره في زمن الصخب الإعلامي لتزاحمت على بابه الصحف والمجلات. ومن السعودية يظهر لنا أطمسي ساحر اسمه عبد الله القرني، يسميه مريدوه “سهيل اليماني”، لا أدري ما نصيبه من الشهرة في السعودية، إلا أنه في الكويت كالأطمس في مصر، لا حظ له.
على أن الفوارق بين الأطمسين، الجعفري والقرني، من جهة، والأطمس الأب من الجهة الأخرى، أكثر من أن تحصى، أدناها بحث حامد عن الشهرة، وزهد الاثنين بها، وأعلاها وأسماها (أعلى الفوارق وأسماها) شموخ الجعفري والقرني وتمردهما في مقابل خنوع الأطمس وتودده لذوي الجاه والمال.
وسحقاً للصحف التي تحولت إلى “معاريض” تستجدي المال، عبر تسليط الضوء على “إبداعات” أبناء الأمراء والشيوخ والتجار، وأهملت أمثال هذين الرائعين.
وكما يتحمل الأطمس وحده المسؤولية في اندثار يوم وفاته، يتحمل هذان العبقريان وحدهما المسؤولية في ولادتهما في زمن “الشيوخ المبدعين” وازدحام الفضاء بوسائل الإعلام.
اليوم: 2 سبتمبر، 2012 
خوارج الدين وخوارج السياسة
يروي التاريخ ان اكبر الاضرار التي اصابت الاسلام في ايامه الأولى اتت من الخوارج ممن رفعوا شعارا جميلا خدعوا به المؤمنين والشباب الغر الميامين وسفكوا به دماء المسلمين هو (ان الحكم إلا لله) وقد اجابهم الإمام النقي التقي علي بن ابي طالب كرم الله وجهه بمقولة صالحة لكل زمان ومكان هي «ان تلك كلمة حق يراد بها باطل»، موضحا ان القرآن كلام مسطور بين دفتي المصاحف لا ينطق بذاته بل ينطق به الرجال ممن تختلف اهدافهم وأهواؤهم ومشاربهم.
***
ومن خوارج الدين الى خوارج السياسة ممن رفعوا هذه الأيام شعار «الشعب مصدر السلطات» ليخدعوا به المؤمنين والشباب الغر الميامين ويسفكوا من خلال فتنتهم الكبرى الجديدة دماء المسلمين الكويتيين، ومرة اخرى نرقب كلمات حق اريد بها باطل فالدستور لا ينطق بذاته بل ينطق به رجال تختلف أهدافهم وأهواؤهم ومشاربهم والأمة مصدر السلطات لا تحكم بذاتها فتجتمع الملايين في الميادين ليقرروا بهذا الأمر أو ذاك بل يمثل الأمة رجال ارتضيناهم منذ قرون ولن نبدلهم بالطامعين والمخادعين.
***
و«الشعب مصدر السلطات» نص موجود في كل دساتير العالم ولا يعني شيئا بذاته او نمطا معينا للحكم حيث ان لكل دولة نظاما خاصا بها، وما هو موجود في الكويت ضمن نظامنا السياسي الحالي يعكس تماما تلك المقولة الخالدة ولا نحتاج الى قميص عثمان جديد يرفعه اصحاب الاجندات الخارجية والمطامع الشخصية ليسفكوا الدم الحرام تحت راياته الكاذبة.. وفتنة كبرى واحدة تكفي.
***
آخر محطة: تعميما للفائدة نقتبس بتصرف من جريدة «القبس» مقاطع من مقال الطيار جاسم فيصل القصبي نشر يوم الجمعة الماضي أتت ضمنه تساؤلات لجماعة نهج منها: هل من حماية الدستور وصيانته ان نسعى الى تغييره خارج قاعة عبدالله السالم عبر تحريك الشارع؟! ذكرتم ان تعديل الدوائر خارج المجلس يعد انقلابا على الدستور ولكنكم في الوقت ذاته تدعون لتغيير طريقة الحكم عن طريق الشارع وخارج المجلس ألا يعد ذلك انقلابا حقيقيا على الدستور؟! وأيهم اشد اثرا وخطرا على البلاد تغيير الدوائر ام تغيير طريقة الحكم؟ ما دليلكم على ان اغلبية الشعب الكويتي تريد تغيير طريقة الحكم؟ ولماذا تحاولون ان تفرضوا نهجكم فرضا (الفرض يعني الديكتاتورية)؟ اين دليلكم على ان شبابكم يمثلون «كل او أغلبية» شباب الكويت؟ ولماذا لا يفسح للشباب فرصة دخول المجلس وفيكم من كان في المجلس قبل ان يولد هؤلاء الشباب؟! وختم الكابتن مقاله القيم بسؤال مهم هو هل سأجد منكم إجابة شافية؟ أعتقد أن الإجابة الوحيدة التي اعتدناها من الحبر الأعظم وكهنة المعبد هي الشتم والتخوين وتلك قمة الديموقراطية وحرية الرأي بنظرهم.
مناظرة ومناقصة
استمتعت كثيرا وانا أتابع المناظرة التلفزيونية على قناة «الوطن» بين الناشطين الشابين محمد العثمان ومعاذ الدويلة، وكان سبب سعادتي الأسلوب الراقي في الحوار والبعيد عن التشنج والشتم والصراخ الذي تعودناه من كثير من الكبار! وكان ممثل التحالف الوطني الديموقراطي متميزا بهدوء يحسد عليه، وليس هذا مستغربا منه، فهو ابن عبدالمحسن العثمان الرجل الذي لو شارك في مسابقة اكثر البشر هدوءا وبرودة أعصاب وتحت إشراف الامم المتحدة لقلدوه الميدالية الذهبية! ولكن لفت نظري قضيتان اردت التعليق عليهما، نظرا لان البرنامج لم يعطهما الوقت المستحق، الاولى مشاركة نواب في ساحة الإرادة كانوا قد شاركوا في انتخابات فرعية! واعتقد ان نواب ومفكري التحالف الوطني كثيرا مايطرحون هذه القضية بانتقاد شديد لها، وأقول ان القانون جرم الانتخابات الفرعية بمفهومها القديم الذي كان موجودا في الوقت الذي تمت مناقشتها بمجلس الامة في التسعينات، الا ان القبائل استطاعت ان تحور طريقة اختيارها لنوابها بحيث تتحاشى المحاذير القانونية مثل الغاء الاعلان الاستفزازي للآخرين، والذي كان يسبب آثارا سلبية بين مكونات المجتمع، كما تم الغاء الإلزامية في النتائج، مما ساهم في وجود هامش من الحرية بين من لم يرغب في مخرجات هذه الانتخابات لاختيار آخرين لم يشاركوا فيها، والدليل على ذلك ماحدث في الانتخابات الاخيرة، عندما سقط بعض من نجح بالتصفيات الاولى وفاز من لم يشارك فيها من القبيلة نفسها! لذلك نجد نتائج التحقيق في النيابة في كل الإحالات التي تمت البراءة او الحفظ لعدم توافر الدليل على مخالفة القانون.
اللافت للنظر ان الأخوة في التحالف يتشددون في هذه القضية ويضعونها تحت المجهر، بينما يتغاضون عن أمور اكثر وضوحا في المخالفة او يتجاهلون قضايا اكثر إلحاحا من موضوع المشاركة في التصفيات! لذلك كان غيابهم عن ساحة الإرادة مثيرا للاستغراب ولافتا للنظر.
الموضوع الثاني الذي اريد التعليق عليه، هو إثارة ممثل التحالف موضوع مشاركة التيار الاسلامي الحدسي بحكومة 1976 وصياغة مشروع تعديل الدستور! وضرب أمثلة بالسادة الأفاضل يوسف الحجي والعدساني! والحقيقة ان الذي شارك في تلك الحكومة – حكومة الحل – هو التيار الوطني التقدمي آنذاك، وعلى رأسهم عبدالعزيز حسين وحمود النصف وعبدالله يوسف الغانم وسليمان حمود الزيد الخالد وعبدالله المفرج وغيرهم من رموز وقيادات التيار الوطني آنذاك، اما العدساني، ولم اعرف من العدساني يقصد، الا ان أيا من هذه العائلة الكريمة لم يكن من تيار «حدس»، اما الشيخ يوسف الحجي فمع كونه رئيساً لجمعية الاصلاح آنذاك، الا انه لم يكن مرتبطا بالتيار تنظيميا والجميع يعرف هذه الحقيقة، علما بان الشيخ يشرف من يعمل معه.
هذه بعض الملاحظات وددت اثارتها لكثرة ما نسمعها وهي تطرح بشكل اتهام وتشكيك في وطنية التيار الاسلامي.
>>>
المربية والمناقصات
ذكرت المربية الفاضلة انني حصلت على مناقصة من وزارة الدفاع بقيمة 120مليون د.ك! وعندما نفيت ما ذكرت من افتراءات نشرت بيانات عن مشاريع من وزارة الدفاع عددها اربعة مشاريع ومجموع قيمتها لا يتجاوز خمسة ملايين د.ك!
كما ذكرت انني وكيل لشركة اسمها «فوكس»! وانا أعيد طلبي الاول بان تخرج لنا الدليل على تسلمي مناقصة بقيمة 120 مليون د.ك بدلا من نسخ أوراق بايتة لسؤال برلماني قبل اكثر من اثنتي عشرة سنة يتحدث عن مشاريع لشركة الخرافي للمقاولات وليس لي منها الا تصميم كم مبنى للشركة بمبالغ زهيدة والتي هي بدورها تبنيها لوزارة الدفاع، واستغربت لهذا التشويه المتعمد من شخصية لا اعرفها ولم اسمع بها من قبل، الا انها نزلت الانتخابات بقائمة! لكن يبدو ان ما ذكره معاذ الدويلة في مناظرته عن الصفقة في بنك التسليف هو الذي اثارها! على العموم لا اريد منها مزيدا من البيانات البايتة فانا بالمحاكم راح اخليها تعرف من منا الذي دخل النفق المظلم!.
صاحب الفضيلة «…»!
أرسل له أحدهم بكحلة البذاءة مكتوباً قصيراً كتب فيه: «لقد أقضت مضجعهم… زين تسوي فيهم»… فما كان منه إلا أن أجابه بعبارةٍ تناسب صاحب الفضيلة بكل ما في قلبه من غل وقذارة: «أنا ثابت… لا أحيد عن مبادئي في الخسة والنذالة والوقاحة»… متناسياً أنه – من شدة فجاجته ورعونته ونتانة الوحل الذي تربى فيه – أساء إلى الناس عامداً قاصداً ترويج بضاعته الكاسدة بلا حياء ولا أدنى خلق، فما كان من الناس الغيورين إلا أن ألقموه حجراً، لكنه استمر في نباحه.
صاحب الفضيلة «الوقح»، وجد نفسه ذات ليلة مظلمة حالكة السواد، مترنحاً… مسهداً يخير نفسه على خطرين: (إما أن أنال لقب صاحب السعادة والفضيلة والوجاهة، أو أنني سأبقى متمسكاً بما نشأت عليه من عفن! وفي كلا الحالتين، لابد لي من أن أحظى بأمنيتي تلك حتى وإن كانت مقرونة بالـ «وقح»).
تنقل صاحب الفضيلة من وادٍ الى وادٍ، ومن يراع إلى يراع، وبذل كل ما في وسعه من نفاق وتملق لأن يكون له موضع قدم في مرتبة «علية القوم»، فلم يكن نصيبه من كل تعبه ونصبه ومشقته إلا المزيد من الازدراء والفشل! وأشد ما كان يؤلمه، وهذا هو الأمر العجيب المستغرب، أنه اكتشف أن من حوله كلهم من ذات طينته! العفن عفن، والمنافق منافق، والأحمق أحمق، فضجّ وهاج وماج، وزاد وجده وانكساره لكنه قرر أن يستغيث بواحدةٍ من أدهى ساحرات الدنيا… علّها تشور عليه مشورة ينال فيها ما تمنى.
«سيدتي العظيمة… يا أعظم ساحرات الكون… جئتك (بائعاً ومخلصاً)… لقد اسوّدت الدنيا في عيني وألهبتني سياط المذلة والإخفاق، فهل لك أن ترشديني إلى طريق خلاصي فأكون لك عبداً مطيعاً مؤتمراً بما تأمرين… أنت تفصّلين وأنا ألبس… سيان عندي إن كنت أنت الراعية وأنا الكلب الأمين… أم أنت الكلبة وأنا العظم اللعين»… قالها وانحنى ينتظر منها أن تنطق ببنت شفة.. لكنها صمتت! وطال وقت صمتها وهو ينتظر منحنياً علّها ترأف بحاله.
رمقته بنظرة فيها من الخبث ما يليق به ثم قالت: «لعمري لم أرَ في حياتي أسود وجه مثلك؟ أفبعد أن تشرّق وتغرّب… وتخيط وتبيط… تأتيني طالباً المشورة وأنت تعلم سلفاً، ومنذ سنين، أنني في حاجة إلى شخص مثلك؟ ها… أتريدني الآن أن أحشّد عليك عفاريتي فيجعلونك قديداً يرمى لوحوش البيداء… ها… هيّا اخرج… اغرب عن وجهي فما بلغني عنك من رغبةٍ عارمةٍ في أن تسحب البساط من تحت قدمي وتصبح أنت المقدّم عليّ… يجعلني أمقتك وأحتقر شأنك الحقير أصلاً».
«لا يا مولاتي… من أبلغك عني تلك الأكاذيب؟ إنما أنا منك وإليك… نعم، أخذتني الدنيا عنك قليلاً ولكنني إنما كنت أستعد لأن أُبلى بلاءً حسناً في سبيل نيل رضاك… بس عاد سامحيني… لقد أحدث كلامك في فؤادي شرخاً ما أحدثه شارخ… وقطع نياط قلبي بأشد ما ملكه جزّار من سواطير المطابخ… حتى لكأنني أهيم بين الناس صارخاً بعويل ما صدر من صارخ… تكفين يا مولاتي تكفين، فإنني من يدك هذه إلى يدك تلك… اِؤْمُريني ستجدينني رهن إشارتك».
تصاعد الدخان من مجمرة وضعتها الساحرة أمامها بعد أن رمت فيها ما رمت ثم قالت له مهددةً متوعدة: «سيكون لك ما أردت على ألا تعصي لي أمراً، ولا تفشي لي سراً، فإنك تعلم من أمري ما تعلم… أونسيتَ عفاريتي؟ أونسيتَ أنني إن أردت أن أكويك بجحيم سحري فإنّ أنهار الدنيا لن تطفئ حريقك…».
قفز ثم عاد لينحني: «بلى… بلى… أعلم كل ذلك؟ وهل أنا إلا مخلوق لا وجود لي إلا بوجودك… فَأمُري ما تشائين»… نبشت الساحرة في خرقة من القماش وضعتها قرب تكيتها وأخرجت منها كيساً حريرياً ألقته إليه وقالت: «خذ… في هذا الكيس، تعاويذ الشر… ليس عليك إلا أن تندسّ بين الناس وتنشر العداوة بينهم… وإذا وجدت الأحبة مجتمعين فاستخدم تلك التعاويذ لتفرق بينهم… وإن وجدت البشر في وئام، فدمر ما بينهم من ود… اسعَ سعيك وكد كيدك… فستجد فيما تفعل ما تأمل… وأراك بعد حين من الزمن… وقد جئتني بما يثلج صدري ويفرح فؤادي مما صنعت… هيا اذهب».
خرج ولم يعد… خرج وغاب طويلاً… لكنه بعد طول غياب عاد مرتمياً بين يدي الساحرة… صرخت: «ماذا دهاك… أصدقني القول؟ هل فعلت ما أمرتك؟»… ردّ وهو يهزّ رأسه بجنون: «نعم يا سيدتي… نعم… لقد نالني مما أمّلت ما نالني… أصبحت يا سيدتي… صاحب الفضيلة«…».
* هي قصة من خيال الواقع… فاختاروا من دلالاتها ما شئتم!.
اليابان.. سلباً وإيجاباً (1 – 3)
يعتبر ماركوس أورليوس Marcus Aurelius، (حكم 161 – 181) من أعظم خمسة أباطرة حكموا روما. وينقل عنه قوله ان على كل فرد أن يعيش حياة شريفة ويلتزم أخلاقيا، فإن كانت هناك آلهة عادلة وعاقلة، (وكان يؤمن بتعدد الآلهة)، فإنها غالبا لن تهتم بمدى التزام الفرد بتعاليمهم وعباداتهم، بل سيغفرون له «معصيته» بناء على فضائله وأخلاقه التي عاش بموجبها. وإن لم تكن الآلهة عادلة، فإنهم لا يستحقون الالتزام بتعاليمهم! وإن لم تكن هناك في نهاية الأمر لروما آلهتها، فلن يكون هناك فرق بين أحد! ولكن البشرية تكون قد كسبت أولئك الذين عاشوا بطريقة شريفة ونبيلة، لتبقى ذكراهم إلى الأبد.
واجهت اليابان كوارث لا تعد في تاريخها، ولولا ما تميز به الياباني من جلد وقوة احتمال على العمل الشاق، لما تمكن من تحقيق شيء، فهي الدولة الوحيدة التي اكتوت بنار قنبلتين نوويتين، هذا غير تعرضها المستمر للزلازل والكوارث الطبيعية، مثل ما اصابها اخيرا. فأرض اليابان فقيرة، ومواردها محدودة وجغرافيتها صعبة، وبالتالي كان لا بد من خضوع شعبها القوي الشكيمة لمجموعة معتقدات دينية وعسكرية، وإيمان بأنه أفضل من غيره، وبالرغم من كل ما تسببت به قنبلتا هيروشيما ونكازاكي من مصائب مهولة، إلا أنهما كانتا «نقطة تحول» مفصلية في تاريخ اليابان الحديث، بتأثيراتهما العميقة في شخصية الياباني، خلال السبعين سنة الماضية، وجعله أكثر تسامحا بعد كل ما كانت تتصف به من صلافة وعنجهية وميل شديد للعسكرية والخضوع التام للامبراطور، ابن الله! فيابان ما قبل ماك آرثر هي غيرها بعده، فالصدمة الثقافية والإنسانية الإيجابية التي ساهم الجنرال الأميركي، وفريق العلماء والخبراء الذين صاحبوه، في خلقها لدى الفرد الياباني هي التي دفعت اليابان صناعيا وأخلاقيا إلى أن تكون ما هي عليه الآن، والتي أدت تدريجيا لاختفاء العنجهية لتحل محلها شخصية مسالمة ومرنة وأكثر تقبلا للآخر، من غير تفريط في الأساسيات العميقة للأخلاق اليابانية، فكيف حدث ذلك؟ وكيف تزامن تقدمها الصناعي وترفعها الأخلاقي مع تناقص التزاماتها الدينية؟ وكيف قبلت بتخليها عن فكرة تقديس الإمبراطور، ورفض بقية الرموز الدينية لمصلحة تحولها إلى دولة علمانية كاملة؟
الأمر برمته يعود إلى أمرين أساسيين: أولهما غياب فكرة العقاب والثواب من الفكر الياباني، وثانيهما المنهج الأخلاقي الذي اتبع تدريسه في كل المدارس مع نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، والذي كان له أبلغ الأثر في تشكيل فكر الفرد الياباني، وجعل الأخلاق، من منطلق منطقي، الأساس في التعامل مع النفس ومع الغير، وليس الخوف الديني من العقاب. فهناك فرق بين ان نكون أمينين ومهذبين وشرفاء، لأن الأخلاق تتطلب ذلك، وبين أن نكون كذلك لأن التعاليم الدينية تقول ذلك، ففي الحالة الأولى الفضاء الذي يشمله هذا الخلق والتهذيب أكثر رحابة، وبالتالي لا يقتصر على أصحاب الدين أو المذهب نفسه، بل الجميع تقريبا! فغالبية الأديان تطالب أتباعها بأن يكونوا شرفاء وأمناء بعضهم مع بعض، ولكنها لا تطالبهم بالضرورة بالتصرف بالقدر والطريقة نفسيهما مع اتباع العقائد الأخرى!
(وإلى مقال الغد).
أحمد الصراف
[email protected]
www.kalamanas.com