سامي النصف

القضية والتطبيع والمناضلون عن بعد!

ختم الإعلامي عمار تقي حلقة برنامجه «نقطة نظام» التي استضافنا فيها بالإصرار على سؤالي عن: هل أنا مع التطبيع مع إسرائيل أم ضده؟ مستعينا بمقال كتبته قبل أيام عن الصين وتايوان، قارنت فيه بين كيفية تعامل الصين مع تايوان، والعرب مع اسرائيل، فعلى الرغم من ان الصين تملك قوة كاسحة، وأسلحة نووية، وشعبا يفوق تعداده المليار نسمة، وتقلص عدد المعترفين بتايوان الى ما لا يزيد على اصابع اليدين، الا ان الصين الأم لم تهدد بغزو جزيرة قرموزا التي انفصلت عنها عام 1949 وإلقاء شعبها في البحر، ولم تسمح لمناضل صيني بان يتزوج القضية كحال ابوعمار، ثم يورث لزوجته الحقيقية سهى المليارات من الدولارات التي جمعت باسم تلك القضية.

***

وكالعادة من الصعوبة بمكان التعليق على جملة تقتطع من مقال كامل، وأشد من ذلك التعقيب، لا على ما كتب، بل على من عقب على ما كتب وفهم منه ما يريد فهمه، دون التطرق لمجمل ما قيل.

في البدء أشير الى انني زرت القدس، والضفة، وغزة، اكثر من مرة خلال السنوات القليلة الماضية، لذا فأنا أتكلم عن مشاهدة لصيقة وقرب للمتغيرات التي تحدث على الأرض الفلسطينية، ولا يعلم بها الراغبون في حرب اسرائيل «عن بعد» لآخر قطرة دم في شريان آخر طفل فلسطيني، ولآخر حجر في آخر منزل يسكنه المظلومون من اهل فلسطين!

***

وإحدى كوارث القضية الفلسطينية هي في بعض القيادات السياسية المدغدغة التي تطالب علنا بالحرب والضرب للمزايدة والتكسب، ثم تشتكي في السر لمن يلتقيها أنها لا قدرة لها على تفعيل ما تدعو اليه، والزيارة ولقاء المواطنين يجعلانك ترى بالعين المجردة ان الانتصارات المدمرة التي يعلنون عنها، يلعنها المواطن الفلسطيني الذي دمر منزله دون أمل في إصلاحه، واستشهد أهله ولا يستطيع فتح فمه كي لا يتهم بالخيانة ويعدم دون محاكمة فيخسر روحه وسمعته ويتيتم أطفاله، وتترمل زوجته، ويثكل والداه دون مردود، ويتساءل: اذا كان هذا النصر، فما هو حال الانكسار؟ ويصمت بقهر ليصبح السكوت من ذهب وفضة وألماس، والحديث من سجن وتعذيب ورصاص!

***

وقد تحول الشعب الإسرائيلي في السنوات الأخيرة ـ لربما بفعل مجاورته الطويلة لدولنا ـ من الليبرالية والعلمانية والاشتراكية واليسارية التي يمثلها حزب العمل الاسرائيلي الى دعم الأحزاب الدينية اليمينية المتطرفة التي تنتخب قادة أشد تطرفا منها حتى يصبح الرئيس نتنياهو معتدلا مقارنة بالبدائل، ويذكر بعض المفكرين والساسة والمثقفين الإسرائيليين ان الشعب الاسرائيلي لن يتجه للاعتدال والوسطية وانتخاب الأحزاب المعتدلة التي تدعو للانسحاب من الأراضي الفلسطينية وإنشاء دولة مستقلة فيها لقاء إقامة سفارة يمكن ان تغلق في اي وقت او ورقة سلام يمكن ان تلغى او تمزق من قبل قيادة مدغدغة غاضبة، ويرى هؤلاء المفكرون المعتدلون من دعاة السلام الاسرائيليين أنه لا بديل عن التطبيع كوسيلة لتحويل المزاج العام، وانتخاب الأحزاب المعتدلة بدلا من الفوز المتكرر والمستمر لأحزاب اليمين المتشدد التي تدعو ليهودية الدولة وقيام عمليات «ترانسفير» للعرب في الأرض الممتدة من النهر الى البحر الى الأردن وسيناء!

***

آخر محطة:

(1) يسخر أمير الشعراء أحمد شوقي من صاحب كلب يبكي عليه وهو يرقبه يموت من الجوع وفي يديه الخبز الساخن الذي يمكن ان ينقذه من الموت، فلما اقترح عليه المارة ان يطعم كلبه من خبزه قال قولته الشهيرة: «لهذا الحد لم تبلغ مودتنا» فمات الكلب جائعا، ضحية من هو مستعد للبكاء لا العطاء!

(2) المتباكون على القدس، وأهل القدس، والمسجد الأقصى، هم كذلك يكتفون بالبكاء دون العطاء، أو إيجاد حلول لمأساة القدس والمقدسيين، الذين يشتكون لطوب الأرض من تقلص قدرتهم على الصمود في ظل المقاطعة العربية والإسلامية المستمرة منذ نصف قرن، وتحول الاسرائيليين من الاعتدال والشراء منهم الى التشدد ومقاطعتهم، لذا فلا قدرة – حسب قولهم – على الصمود طويلا دون فتح الابواب لزيارة ملايين العرب والمسلمين لهم، وتلك الزيارة هي لهم كفلسطينيين وليست لإسرائيل، كما ان زيارة السجين -كما هو معروف- لا تعني بالضرورة الاعتراف بالسجان! ولنستمر كعرب ومسلمين في البكاء والخبز الساخن في يدنا!

آخر مقالات الكاتب:

عن الكاتب

سامي النصف

كابتن طيار سامي عبد اللطيف النصف، وزير الاعلام الكويتي الاسبق وكاتب صحفي ورئيس مؤسسة الخطوط الجوية الكويتية

twitter: @salnesf

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *