فؤاد الهاشم

«كانت»..خير أمة!

في عام 2012 وبدون سابق إنذار اشتعلت محطات التلفزيون الألمانية والسويسرية والإيطالية وبعدها كل محطات دول الاتحاد الأوروبي -بخبر حدث عاجل وقع على الحدود السويسرية الألمانية! سيارات الدفاع المدني ومروحية في الجو وسيارات دفع رباعي سارعت لإنقاذ بقرة «ألمانية» كانت ترعى في أرضها بين الجبال والوديان لكنها استسلمت لإغراء العشب الأخضر المنثور حولها في كل مكان فتاهت على الحدود بين البلدين ولم تعد لحظيرتها ومالكها فاستعان بالدفاع المدني الذي تابعها عبر الأقمار الصناعية وبواسطة الشريحة الممغنطة في اسوار معلق برقبتها فعثروا عليها «هائمة على وجهها» في أرض «اللبن والحليب والعسل» وليس بأرض « الظمأ والملح والنفط.. المحترق» كما وصف أرضنا الملك الأردني الراحل ..حسين!!


إذا كانت بهيمة هي «البقرة» قد حظيت بكل هذا الاهتمام الرسمي والشعبي والإعلامي في ذلك البلد الأوروبي الجميل ولم يشعر أحد هناك بالراحة إلا بعد أن عادت تلك «الهايشة» وهو مسمى البقرة في اللهجة العراقية إلى أهلها «سالمة غانمة مطمئنة» فكيف الحال بالمواطنين الألمان ومدى أهمية أمنهم وسلامتهم لحكوماتهم وإعلامهم؟! قبل أكثر من عشر سنوات وعندما انتشر وباء «»جنون البقر» في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا وابتدأت سكاكين الجزارين في المئات من المدن الأميركية والأوروبية تذبح وتنحر عشرات الألاف من الأبقار المصابة تقدمت «كمبوديا» بعرض غريب وطريف طلبت فيه من هذه البلدان أن تنقذها من ملايين الألغام المزروعة في أراضيها زمن حكم «الخمير الحمر» وعن طريق إرسال كل تلك الأبقار المصابة بالمرض فتطلقها لكي تركض في هذه الحقول فتنفجر فيها الألغام وتتطهر الأرض منها ثم تتمزق هي إلى أشلاء فتريح الشعب الكمبودي منها وتريح كل جزار أميركي وأوروبي من مشقة ..ذبحها! اقتراح منطقي ومعقول لكن أميركا وأوروبا .. رفضتا ذلك الاقتراح بحجة أنه غير «إنساني» .. للبقر!!
خلال الحرب العراقية الإيرانية وتحديدا في عام 1982 وفي معارك «شرق البصرة» كان الراحل آية الله الخميني قد اخترع مصطلح «الموجات البشرية» والمكونة من أطفال أصغرهم في الثالثة عشر وأكبرهم لايتجاوز السادسة عشر من العمر تلقيهم الشاحنات بعشرات الألاف ليصبحوا «كاسحات ألغام بشرية» لاختراق الدفاعات العراقية وهم من أطلق عليهم اسم «حرس خميني» وكانت تصلنا صور مرعبة لأعداد القتلى لم نكن نستطيع نشر عشرة بالمائة منها لبشاعتها، واستمرت تلك «الكاسحات البشرية» في تقديم قرابينها حتى بلغت الذروة في «جبهة الهويزة» عام 1985 حين أمرهم قادتهم عبور حاجز مائي أقامه العراقيون ثم فتحوا عليهم الكهرباء وهم داخل .. المياه! يقول لي ضابط عراقي كان برتبة رائد عقب انتهاء الحرب إن «الكهرباء اللي سحبناها من محطات البصرة لتقتل حرس خميني في معركة هور الحويزة لم تجعل أحدا في كل المحافظات الجنوبية يستطيع أن يضئ لمبة واحدة»!! رفضت أميركا وأوروبا أن تموت «أبقارها» في حقول الألغام ووافق الخميني على موت عشرات الالاف من البشر في حقول الألغام والبحيرات .. المكهربة!! ثلث ضحايا «حرس خميني» من الأطفال قضوا في معارك «ديزفول» و«الشوش» و«شرق الكارون» و«المحمرة» بينما خرج عشرات الرجال الألمان من الدفاع المدني لإنقاذ ..بقرة!!
من التحذيرات التي ينقلها بعضنا لبعض خلال رحلات السفر بالسيارة في دولنا العربية «العتيدة» أن ..«إياكم وتناول الطعام خلال الطريق من المطاعم أو الاستراحات وتحديدا تلك التي تقع على .. الحدود حيث تغيب الرقابة وينعدم الضمير»!! دخلت إلى حمام عمومي في سويسرا على الطريق السريع بين «جنيف» والحدود الألمانية فإذا بي أمام جهاز يطلب مني دفع «فرنك سويسري واحد» أي ما يعادل ثلاثمائة فلس من اجل «قضاء الحاجة»! دفعت الثلاثمائة فلس ودخلت دورة مياه أنظف من غرفة نوم بفندق .. عراقي!
كل ما قلته في السطور الماضية كان مقدمة ليست بالطويلة ولا بالعريضة لأطرح سؤالا على أقرب «يمني حوثي» يمكن أن تصل إليه كلماتي لأقول له :«إيران تدعم الحوثية والحوثيين فما الذي قدمه ملالي طهران من رفاهية وعز لمواطنيها حتى تستطيع أن تقدمه .. لكم »؟! لو كان «عبدالملك الحوثي» يتلقى الدعم والمؤازرة والتأييد من ..«سويسرا» أو «الدانمارك» أو «السويد» لذهبنا نحن شعوب الخليج قاطبة إلى زعيم «أنصار الله» وبايعناه صارخين«من لم يكن منا حوثيا لتمنى أن يكون حوثيا» و!! «كلنا فداء .. للحوثيه»! لكن واقعنا أكثر مرارة من الصبر وأشد إيلاما من الحرق وأقسى حدة من .. السم «فداعش وماحش والإخوان وحماس والقاعدة وحزب الله وجند المقدس . والخير لقدام» تجعلنا نحلم بان نصبح «أبقارا ألمانية تائهة على حدود ..سويسرية» على أن نكون بشرا في أمة كانت في يوم من الأيام -خير من أخرجت للناس!!

آخر مقالات الكاتب:

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *