محمد الوشيحي

الصاجة

تكتب رأياً سياسياً، أو رأياً في الشأن المحلي، لا يتجاوز حدود القانون، كما ترى أنت وغيرك، فتشتكي عليك الحكومة، فتصدر النيابة أمراً بحجزك على ذمة التحقيق، فتُحال إلى قاضي التجديد، فيأمر بالإفراج عنك، في غالب الأحيان.
لن أتحدث عن الشق القانوني، ولا عن النيابة والمحكمة، فهذه قصص تطول. بل سأتحدث عن “شقفة” لا تكاد تُرى بالعين المجردة، لكن تأثيرها يفوق تأثير سواها.
أتحدث عن بعض العساكر المسؤولين عن السجون، وعن بعض الضباط (أرجو أن تقرأ الجملة من جديد، كما فعلت أنا، لتتأكد من أنني ذكرت كلمة “بعض” مرتين، وإن طلبتَ مني أكثر فسأعطيك. تدلل).
أقول، أتحدث عن بعض العساكر والضباط المسؤولين عن أمن السجن، الذين التبس عليهم الأمر، وظنوا أنهم جلادون ومسؤولون عن إهانة السجناء، ومرمطة كراماتهم بالأرض.
ويُزج بـ”صقر الحشاش” أو “محمد العجمي” المعروف بـ”أبو عسم”، في السجن، فيتصدى لهما أحياناً عساكر وضباط ينتقمون منهما، وكأنهما قتلا ذوي هؤلاء العساكر. خذ شتيمة، وخذ بذاءة في الألفاظ، وخذ تفتيشاً ذاتياً مهيناً للكرامة، وإن بقي في مزودتك مكان، فخذ ازدراء واحتقاراً لهذين الشابين الغاضبين من فساد البلد وغياب القانون.
والمضحك، أو قل المبكي، ولسوء حظ هذه النوعية من الضباط والعساكر، هو أن هذين الشابين يتمتعان بمخزون ثقافي هائل جداً وسعة اطلاع مرعبة، ويعرفان ما لهما وما عليهما. بل إنهما أحياناً يشرحان مواد لائحة السجن الداخلية للعساكر والضباط والسجناء، لكن لا حياة لعقل الجاهل.
السؤال: ما الذي يحمله هؤلاء العساكر في قلوبهم على هذين السجينين (تم الإفراج عنهما بلا كفالة) أو غيرهما؟، هل يطمع هؤلاء العساكر بمكاسب مادية أو ترقيات، أم هي أمراض نفسية، وتعويض نقص، وجهل مطبق كما في “فيلم الكرنك”؟
وأي دولة تقبل أن تحتوي سجونها على “الصاجة”، كتلك الموجودة في السجون الكويتية؟ والصاجة لمن لا يعرفها، هي زنزانة انفرادية، ليست كبقية الزنازين الانفرادية. أضيق من القبر وأبشع. يوضع فيها غالباً المدمن الذي تعاطى كمية كبيرة من المخدرات، ويُخشى من أن يرتكب جريمة بلا وعي… وعادة، عندما ينتهي مفعول هذا المخدر، تبدأ حالة الغثيان، ويخرج كل ما في بطن المدمن على الأرض، قبل أن يستعيد عقله. ولا تحتاج إلى دخول هذه الصاجة كي تشم رائحتها القاتلة، يكفيك المرور من هناك لتختنق! طولها نحو مترين، وعرضها متر ونصف المتر، اقتطع المرحاض وحنفية الماء جزءاً من هذه المساحة الضيقة.
وللتنكيل بك، تُحرم من البطانية والفراش، فتضطر إلى النوم على أرضية من الخرسانة غير المستوية. وتقضي أوقاتك بلا إضاءة! هل يكفي هذا؟ لا، صقر الحشاش خائن للوطن، وليس حراماً فيه التنكيل.
يُصدر ضابط صغير أوامره التي يشعر معها بأهميته، فيتم تشغيل التكييف، البعيد عن متناول اليد، على أقصى درجة، فيتجمد السجين، ويصرخ ويصرخ ويصرخ، ولا شيء سوى السكون والظلام، إلى أن يتكور كالجنين في بطن أمه ويفقد وعيه وينام بلا إدراك.
ليش؟ ليش؟ ما تفسير كل هذا الحقد؟ ما كل هذه الدناءة والوحشية؟ ثم يأتي هذا العسكري أو الضابط ويتقزز من وحشية داعش. يا سلام.
لهؤلاء أقول: لن يحترمك أحد من مسؤوليك ولو فعلت أكثر من ذلك، فهون عليك، وحط من ركابك، واعرف أنك في أعين كبار المسؤولين لست إلا أداة لترهيب خصومهم. فاعرف قدرك، واحترم نفسك يحترموك هم وغيرهم.
ولوزير الداخلية أقول: خذ جولة في السجن وتعرف على تلك التفاصيل التي تشوه روح الكويت قبل سمعتها، وأوقف هذا العبث بأرواح السجناء، فأنت المسؤول أمام الله والناس.
وللحديث بقية…

آخر مقالات الكاتب:

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *