د. شفيق ناظم الغبرا

غزة: بين دموية الاحتلال وتحدي الظلم والحصار

نجح الشريط الضيق المسمى غزة والذي لا تزيد مساحته عن ١.٣٪ من مساحة فلسطين (٣٦٠ كلم مربع)، والذي يقطن فيه ما يقارب مليوني فلسطيني نصفهم من لاجئي ١٩٤٨، في خوض حرب دفاعية/ تحررية ضد استعمار استيطاني مدجج بالسلاح ولا يملك الحد الأدنى من الرحمة والإنسانية. حرب غزة تقع بين صاحب الأرض من جهة وبين الحركة الصهيونية بتعبيراتها الاستيطانية من جهة أخرى، لهذا فهي ليست حرب حدود بل مواجهة حول الوجود والحقوق. هذه الحرب مرتبطة بحصار إسرائيل لغزة والضفة الغربية وسعيها الدؤوب لإبقائهما معزولتين في سجنين كبيرين بحيث تسيطر إسرائيل على كامل فلسطين والملايين الستة من العرب الفلسطينيين الذي يتواجدون على أرضها.

إن مبرر إسرائيل للعدوان على غزة (مقتل ثلاثة مستوطنين) هو فعل لم تقم به «حماس» كما تؤكد تقارير محايدة وألمانية وإسرائيلية، فالواضح وضوح الشمس أن حكومة الوحدة الوطنية بين «فتح» و «حماس» أدت إلى تقوية الموقف الفلسطيني وإلى دفع حركتي «حماس» و «الجهاد الإسلامي» نحو أفق سياسي متوازن قابل للتحول الى أداة ضغط فعالة على إسرائيل في مجال الاستيطان والأرض والاحتلال والقدس والحقوق. لهذا انتظر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو فرصة مفتعلة ليبطش بالحكومة الموحدة، فبالنسبة إليه يمثل الانقسام الفلسطيني والبقاء خلف جدران السجن الكبير في غزة والضفة الغربية هدفاً استراتيجياً. هذه الحرب هدفها التملص من الضغوط الأوروبية والأميركية والعالمية الشعبية وأحياناً الرسمية على دولة الاحتلال والتي بدأت تتحول الى حركة مقاطعة في أوساط شعبية كبيرة. وبالكاد جفّ حبر إعلان حكومة الوحدة الوطنية في أوائل شهر حزيران (يونيو) ٢٠١٤، وإذا بالحرب على غزة تبدأ في 8 تموز (يوليو) ٢٠١٤.

ويمكن تصنيف حرب غزة بصفتها حرباً كاشفة، إذ كشفت الحرب الحصار الذي تفرضه إسرائيل على غزة، كما كشفت مدى الاستيطان وطبيعته في الضفة الغربية والقدس ومدى احتقان فلسطينيي ١٩٤٨ الخاضعين للتفرقة العنصرية. وكشفت الحرب أن في السلطة الفلسطينية من يتعطش للتحرر من القيود الإسرائيلية القاتلة. لقد كشفت حرب غزة كيف يؤدي الصمود الفلسطيني إلى استنهاض الوضع الفلسطيني بصفته حركة تحرر وطني تسعى للحقوق والعدالة والأرض. بل تبين أن حركة الشعوب العربية والإسلامية تقف وتتفاعل مع ذات السياق. كما تبين أن الإعلام المصري وبعض الإعلام العربي في مكان ونبض الشارع المصري والعربي في مكان آخر متضامن مع غزة، وتبين أن الأنظمة العربية المترددة في مواقفها تواجه بنقد وضغوط وطنية ومحلية بهدف تعديل موقفها وفتح المعبر في رفح وتسهيل المساعدات والدعم. وكشفت هذه الحرب أن العالم يزخر بأصحاب الضمائر الحية، فمن باريس الى لندن وشيكاغو ونيويورك وإسبانيا واليابان خرج مئات الآلاف في مشهد يؤكد بداية انكشاف غطاء هام عن الصهيونية. حتى في تل أبيب تجمع آلاف الإسرائيليين ليعلنوا موقفاً من الظلم الواقع على غزة.

ويطرح بعض القوى العربية، خاصة في بعض وسائل الإعلام، أنها مع فلسطين بشرط ألاّ تكون قيادة المقاومة وأطرافها إسلامية. لكن هذا كمن يقول إنه مع الجنوب أفريقيين في زمن النضال ضد العنصرية بشرط ألاّ يكون قادة المقاومة من الملونين، أو أنه يؤيد الفيتناميين في زمن النضال ضد الهيمنة والاحتلال الأميركي بشرط ألاّ يكون المتصدر للمواجهة من الشيوعيين. لكن السؤال الذي يجب أن يسبق كل التساؤلات: ما الموقف من الظلم؟ وكيف تمكن مواجهة دولة الاحتلال التي يسيطر عليها تيار فاشي يميني متعصب وديني وعنصري يسعى لطرد العرب ممّا تبقى من فلسطين، كما هو حال تيار الليكود وتيار ليبرمان في رأس الدولة؟

إن «حماس» و «الجهاد الإسلامي» هما أبناء بيئتهما الفلسطينية تماماً كما كانت «فتح» (ولا تزال) بنت بيئتها، فالحركتان برزتا في بيئة ظلم وانغلاق سبل ولجوء واحتلال. لقد اكتسبت «حماس» و «الجهاد الإسلامي» زخماً بصفتهما قوتين صاعدتين تضيفان زخماً إلى مسيرة الكفاح الفلسطيني، لهذا لا تمكن رؤيتهما بالضدية مع التيار الوطني القومي بل بصفتهما قوة إضافية تكاملية قابلة للارتقاء، ولهذا فازت «حماس» في الانتخابات الفلسطينية (في الضفة وغزة) عام ٢٠٠٦. لقد تأسست «حماس» عام ١٩٨٨ في زمن الانتفاضة الأولى، ولهذا ولدت من رحم نضال ضد إسرائيل والصهيونية. وعند التمحيص نكتشف أن «حماس» و «الجهاد الإسلامي» انتجتا قادة ميدانيين، كما سبق لـ «فتح» أن فعلت، استشهد الكثير منهم، كما أن «حماس» أنتجت قائداً وطنياً مثل الشيخ أحمد ياسين لينضم باستشهاده الى قادة آخرين مثل الشهيد ياسر عرفات وأبو جهاد وأبو إياد وأبو علي مصطفى وغيرهم من قادة العمل الفدائي.

وبغض النظر عن الراية التي يرفعها الفلسطينيون في مرحلة دون أخرى لمواجهة إسرائيل وتحدي تفوقها، إلا أنهم لا يسعون للتدخل في الأوضاع العربية بقدر ما هم بحاجة إلى الدعم العربي. ألم تتعاون «حماس» و «الجهاد» بقوة مع الأجهزة المصرية بغض النظر عمّن يحكم مصر؟ ألم يكن عمر سليمان، رئيس الاستخبارات المصرية السابق في زمن الرئيس حسني مبارك زائراً دائماً لغزة ضمن رؤية للأمن القومي المصري؟ وهل يعقل أن «حماس» التي تواجه إسرائيل تريد التدخل في شؤون مصر وسيناء، أم أن هذه ذريعة هدفها إبقاء المصريين بعيدين من التضامن مع القضية الفلسطينية، وذلك خوفاً من ضغوط إسرائيل على مصر؟ إن استقبال أمير الكويت لرئيس المكتب السياسي في حركة «حماس» خالد مشعل تأكيد على دعمه للمقاومة في غزة وفلسطين من دون أن يعني تطابقاً مع جميع أطروحات «حماس». هذا دليل قناعة بأن «حماس» لا تهدد الأمن المصري أو الأمن العربي.

تحمل «حماس» حتماً آراء حول الوضع العربي منذ ثورات ٢٠١٠، لكنها لا تمارس تدخلاً في مصر (لا يوجد إثبات واحد يؤكد أن «حماس» لعبت أي دور في ثورة ٢٥ يناير المصرية أو في حوادث تخص الوضع المصري في سيناء والقاهرة وغيرها)، فـ «حماس» حركة مستقلة وذات بعد وطني فلسطيني على رغم علاقتها بـ «الإخوان المسلمين»، تماماً كما أن حزب «النهضة» في تونس يرتبط بـ «الإخوان» ولكنه محلي من رأسه حتى قاعدته. «الإخوان» تيار عام هو الأكثر اعتدالا بين الحركات الإسلامية، وما محاولة تصفية «حماس» و «الجهاد الإسلامي» في غزة إلا ضرب لروح المقاومة التي لن تخمد وتشجيع على نشوء تيارات إسلامية متطرفة وعنيفة تشبه تنظيم «القاعدة» في الوسط الفلسطيني، وهذا ليس في مصلحة أحد.

لقد قاتلت «حماس» ومعها «الجهاد الإسلامي» كقوة محترفة، وبصفتها وريثاً لما كانت عليه منظمة التحرير الفلسطينية وحركة «فتح» في زمن التواجد المسلح في جنوب لبنان، ونجحت الحركتان في غزة في بناء شبكة أنفاق تعكس جهداً وإبداعاً وخيالاً، ونجحتا في إدامة القصف على مدن دولة الاحتلال على رغم صغر مساحة غزة وصعوبة إخفاء الصواريخ واستخدامها. صمود المقاومة في غزة وقدرتها العسكرية يفرض احترامه، فهذه القوة الصغيرة المحاصرة بحراً وبراً وجواً وقفت أمام إسرائيل وتجرأت على منازلتها. لهذا، ومهما كانت نتيجة المعركة، ستنضج مسارات الحركة الوطنية الفلسطينية وأشكال مقاومتها في المرحلة القادمة.

إن ما قامت به إسرائيل يمثل جريمة ضد الإنسانية، فممارساتها نشرت القتل ودمرت أحياء كاملة في غزة، قصفت المستشفيات والمدارس والجوامع، وحولت المدينة الى أرض مدمرة، تماماً كما سبق لإسرائيل أن فعلت في كل مكان في فلسطين وجنوب لبنان وبيروت والجولان وسيناء ومدن قناة السويس على مدى تاريخها. المقاومة الفلسطينية تواجه أحدث ما توصل إليه العصر في آلة الحرب والسلاح. هذا الواقع، ومن أي زاوية نظرنا إليه، لا يختلف في الجوهر عمّا وقع لليهود عبر العصور وفي زمن النازية.

ويصح القول في الوقت ذاته إن قدرة حركة «فتح» بالتحديد على المبادرة وقيادة انتفاضة مدنية وذات طابع غير مسلح في الضفة الغربية والقدس ستحدد مكانتها في الوضع الفلسطيني القادم، فبعد ترهل وتراجع بسبب مفاوضات طويلة ومساوئ العمل في مؤسسات سلطة تحت الاحتلال ووسط الاستيطان، أصبحت حركة «فتح» مطالبة بانتفاضة تحررية في الضفة الغربية.

لا نهاية قريبة للصراع التاريخي بين الصهيونية بتعبيراتها الاستعمارية والاستيطانية والفاشية وبين أبناء نكبة فلسطين، وكلما طورت إسرائيل من احتلالها برز لها من يطور مقاومته ورفضه سياساتها المعادية للإنسان والأرض والمكان، فالفلسطينيون لن يسمحوا للإسرائيليين بالتمتع المستقر والمفتوح بأراضيهم وبلادهم وحقولهم ووطنهم بينما ينتظر الشعب الفلسطيني تحت الحصار والاحتلال وفي المخيمات والمنافي. سيكتشف الاحتلال الإسرائيلي أن قدرته على التحكم بالشعب الفلسطيني ستزداد صعوبة، إذ ستجلب القوة التي تستخدمها إسرائيل مزيداً من المقاومة في الطرف المقابل، فلا نهاية لأزمة الصهيونية مع محيطها بلا عدالة حقيقية وتخلّ عن جوهر وروح الصهيونية المعادية لسكان البلاد الأصليين. كل المؤشرات تؤكد أن الذي خسر كل شيء ولم يعد لديه ما يخسره سيصمد في المجال التاريخي أكثر من الذي سيطر على كل شيء بواسطة عنف القوة ويخشى من خسارة امتيازاته والأراضي التي نهبها. سيندم كل من ترك غزة وحدها. سيندم كل من سمح لهذا الموت من دون إعلاء صوت. سيندم من ترك المعبر مغلقاً، وذلك بسبب عذاب الضمير وألم خيانة الذات.

 

آخر مقالات الكاتب:

عن الكاتب

د. شفيق ناظم الغبرا

أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت
twitter: @shafeeqghabra

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *