أ.د. محمد إبراهيم السقا

هل تربح «أوبك» الحرب ضد النفط الصخري؟

في الأسبوع الماضي تناولت في الجزء الأول من هذا الموضوع الاستراتيجية الجديدة لـ”أوبك” والأهداف التي تسعى إليها والنتائج التي حققتها حتى الآن، وطرحت تساؤلا أساسيا بعنوان: هل تنجح “أوبك” بالفعل في حربها ضد النفط الصخري على المدى الطويل؟ واليوم أتناول الإجابة عن هذا السؤال.

تنبغي الإشارة أولا إلى تواتر التحليلات هذه الأيام حول تراجع إنتاج النفط الصخري وآفاق هذا التراجع في المستقبل، على سبيل المثال في تقريرها عن سوق النفط العالمي لأيلول (سبتمبر) ذكرت هيئة الطاقة الدولية أن الإنتاج من خارج “أوبك” يتراجع، وأن الجانب الأكبر من تراجع العرض من النفط يعود إلى انخفاض إنتاج النفط الصخري، بل إن الهيئة تتوقع أنه في 2016 سينخفض إنتاج النفط الصخري بنحو 400 ألف برميل يوميا، بحيث يمثل نحو 80 في المائة من إجمالي التراجع في الإنتاج العالمي للنفط في هذا العام المقدر بنحو نصف مليون برميل يوميا.

في 11 أيلول (سبتمبر) الماضي التقطت بلومبرج هذه النتائج من التقرير ونشرت تحليلا بعنوان Saudis Are Winning the War on Shale ترجم أيضا إلى اللغة العربية وخلاصته باختصار أن الحرب على النفط الصخري قد نجحت استنادا إلى النتائج التي نشرتها هيئة الطاقة الدولية في تقريرها، على الرغم من الثمن الفادح الذي يدفع في هذه الحرب. واقع الحال أنني أختلف تماما مع هذه الخلاصة لأسباب عديدة سأحاول أن ألخصها في هذا المقال. من المؤكد أن النفط الصخري يواجه ظروفا صعبة هذه الأيام، خصوصا أن الولايات المتحدة لا تتخذ أية إجراءات لحماية صناعة النفط الصخري فيها، على غير العادة، مثلما تفعل مع سلع أخرى مثل السلع الزراعية، مثال ذلك أن تفرض قيود كمية على واردات النفط إلى الولايات المتحدة أو أية قيود تجارية أخرى لحماية الصناعة. ربما لأن الأسعار المنخفضة للنفط تخدم سياساتها ضد روسيا، فهل تبرز أهمية حماية صناعة النفط الصخري إلى السطح في وقت ما في المستقبل عندما تتراجع مستويات الإنتاج من النفط الصخري إلى مستويات حرجة تهدد استراتيجية الولايات المتحدة بتحقيق الاكتفاء الذاتي من النفط؟ سؤال لا يمكن الإجابة عنه في الوقت الحالي.

لكن لكي نجيب عن التساؤل الذي يطرحه هذا المقال بصورة علمية لا بد أن نجيب على ثلاثة أسئلة أساسية، الأول هو عندما ينخفض إنتاج النفط الصخري أين يذهب هذا النفط؟ وأين تذهب تسهيلات الإنتاج للنفط الصخري مع إغلاق مواقع الإنتاج؟ الإجابة ببساطة شديدة هي أن النفط سيظل في باطن الصخور منتظرا الإذن باستخراجه مرة أخرى، وبالتالي فعندما تنتهي “أوبك” من تنفيذ استراتيجيتها الحالية بإغراق الأسواق لخفض الأسعار وإخراج المنتجين الهامشيين من السوق، ستبدأ “أوبك” في تقليص الإنتاج ومن ثم تعاود الأسعار الارتفاع، وفي اليوم التالي سوف تبدأ الاستعدادات بإعادة افتتاح مراكز الإنتاج التي تم إغلاقها مجددا.

ليس من المنتظر إذن أن يبقى الوضع على ما هو عليه، وتتوقف قرارات متابعة الإنفاق لتطوير حقول النفط الصخري بانتهاء استراتيجية “أوبك”، أي أن تتوقف خطط إنتاج النفط الصخري للأبد. بالتأكيد من أغلقوا مواقع الإنتاج من منتجي النفط الصخري خسروا أرباحهم وظل النفط الصخري كما هو في باطن الصخور منتظرا عودتهم لاستخراجه مرة أخرى، ومن استمروا خسروا بيع النفط بأسعار منخفضة مشتركين مع “أوبك” في الخسارة ذاتها، وعلى ذلك فإن خروج منتجي النفط الصخري من مجال الصناعة هو خروج مؤقت، أو مجرد استراحة محارب، سرعان ما سيعود بمجرد أن تضع الحرب أوزارها وتتوقف “أوبك” عن إغراق السوق وترتفع الأسعار ليعود الإنتاج مرة أخرى مجديا من الناحية الاقتصادية فيعود الضجيج إلى المواقع مرة أخرى.

السؤال الثاني: ما أثر التقدم التقني على تكلفة استخراج النفط الصخري؟ معظم التقارير المتاحة اليوم تشير إلى أن الجانب الأكبر من حقول الإنتاج تحتاج إلى أسعار ما بين 40 إلى 60 دولارا؛ لكي تحقق التعادل مع تكلفة الإنتاج. ماذا يعني ذلك؟ إن ذلك يعني أنه على الرغم من تراجع إنتاج النفط الصخري، إلا أن الإنتاج لن يصل إلى الصفر، بل ستستمر تسهيلات الإنتاج طالما أن تكلفتها الحدية عند هذه المستويات من الأسعار، ومما لا شك فيه أن الضغوط السعرية على النفط الصخري تزيد من الحوافز نحو تطوير تقنيات تعزيز عمليات استخلاص النفط Enhanced Oil Recovery، التي تركز على رفع الإنتاجية بهدف تخفيض التكاليف، ما يمكنها من تحقيق التعادل عند مستويات أقل للأسعار.

بالطبع مع أي ارتفاع يحدث في الأسعار ترتفع نقطة التعادل وتتكثف تسهيلات الإنتاج بسبب ارتفاع مرونة العرض السعرية، وهو ما تشير إليها هيئة الطاقة الدولية أن منتجي النفط الصخري سيكونون أول من يستجيب إذا ما تحسنت ظروف السوق، أي بعودة الأسعار بالارتفاع مرة أخرى. باختصار فإن نجاح “أوبك” في وقف بعض تسهيلات إنتاج النفط الصخري هو نجاح مؤقت سرعان ما ستزول آثاره بمجرد ارتفاع الأسعار. إلا إذا كنا نتحدث عن عصر جديد من النفط الرخيص، حيث السعر السوقي أقل من التكلفة الحدية لإنتاج برميل النفط الصخري في معظم حقول إنتاج النفط الصخري، وهذا أمر غير متصور لأنه يعني ببساطة مخاطر مالية ضخمة لـ”أوبك” لا تستطيع أن تتحملها، ومن المؤكد أن هذه ليست أهدافا استراتيجية لـ “أوبك” الجديدة.

السؤال الثالث: ما المدى الزمني الذي يمكن أن تصمد فيه الدول المنتجة بأسعار نفط منخفضة؟ لقد أدت الأسعار المرتفعة للنفط خلال الـ 15 سنة الماضية إلى دخول دول “أوبك” مصيدة الإنفاق الجاري الضخم، فكانت ترفع سنويا إنفاقها الجاري بمعدلات مرتفعة استنادا إلى أن أسعار النفط المرتفعة أصبحت إحدى المسلمات الجديدة في السوق العالمية للنفط الخام. حيث أصبحت ميزانيات معظم المنتجين اليوم تتطلب أسعارا مرتفعة للنفط لكي تحقق التوازن، وبالتالي فإن تراجع أسعار النفط يعرض هذه الدول لعجوزات مالية ضخمة.

على سبيل المثال لقد جاء مشروع ميزانية المملكة لهذا العام يحمل عجزا ضخما على غير المتوقع، ووفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي يتوقع أن يصل عجز ميزانية المملكة في 2015 إلى نحو 20 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي، وربما يكون أعلى قليلا في الكويت، وهكذا تحولت دول “أوبك” من دول تحقق فوائض إلى دول تعاني عجزا ماليا يعد من أعلى معدلات العجز إلى الناتج في العالم في الوقت الحالي، بما يحمله ذلك من مخاطر مرتبطة بحجم الدين العام، وكنت قد تناولت في مقال سابق في “الاقتصادية” مشكلة عودة شبح الديون مرة أخرى إلى المملكة، وحاليا يبدو أن الكويت تسير على الخط ذاته.

نعم انخفض إنتاج النفط الصخري، لكنه انخفاض محدود جدا بالنسبة للعرض العالمي من النفط الخام، في المقابل خسرت “أوبك” نفطها الذي باعته بأسعار منخفضة، وخسرت جانبا من احتياطياتها التي كونتها عبر السنوات التي ارتفعت فيها الأسعار، وخسرت تراجع النشاط الاقتصادي فيها، وخسرت انخفاض معدلات النمو الاقتصادي بها، وخسرت ارتفاع ديونها ومن ثم تكلفة خدمتها، وهي في رأيي خسارة غير مبررة. فإذا كان النفط الصخري حتما سيعود إلى الساحة مرة أخرى، فلماذا قامت الحرب ضد النفط الصخري إذن؟

باختصار ستنجح “أوبك” في حربها ضد النفط الصخري في حالة واحدة فقط، وهي أن تتبنى استراتيجيات تضمن استدامة أسعار النفط عند مستويات أقل من التكاليف الحدية لإنتاج حقول النفط الصخري في المتوسط على المدى الطويل، لكن ذلك سيؤدي حتما إلى دمار مالي لا تستطيع “أوبك” أن تتحمله على المدى الطويل. فـ “أوبك” حاليا لا تستطيع الاستمرار في الصمود عند هذه الأسعار المنخفضة لمدة طويلة، أخذا في الاعتبار المستويات الجديدة لإنفاقها العام، وليس قياسا على تجربتها في الماضي، وبالتالي فإن التفكير المنطقي يشير إلى أن “أوبك” ستجد نفسها في النهاية في الموقف الأضعف، ومن ثم ستسارع بتخفيض حجم الإنتاج والتخلي عما يسمى باستراتيجية حماية الحصص.

آخر مقالات الكاتب:

عن الكاتب

أ.د. محمد إبراهيم السقا

أستاذ الاقتصاد – جامعة الكويت
[email protected]
@elsakka

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *