د.مبارك القفيدي

مائة عام علي رحيل حاكم الكويت السابع الشيخ مبارك الصباح

من المؤكد أن الحاكم السابع الشيخ مبارك الصباح هو مؤسس الكويت الحديثة، فقد قام أثناء توليه الحكم خلال السنوات 1896/1915 بأدوار بارزة وهامة أسهمت في استقلال الكويت وحمايتها من أطماع القوى السياسية المجاورة بالمنطقة، وأستطاع بفضل سياسته الحكيمة أن يتخطى بنجاح مشاريعها الاستعمارية وأن يسير بمحمله إلى بر الأمان بكل سلامه، وقد تميز الشيخ مبارك الصباح بصفات قيادية كالشجاعة والكرم والفروسية والسرعة في اتخاذ القرارات الحاسمة التي أدت إلى سطوع نجمه كأبرز الشخصيات الحاكمة في منطقة الخليج العربي ولقب على أثر ذلك بأسد الجزيرة، وقد أصبح الشيخ مبارك الصباح مادة خصبة وثرية للكثير من الكتاب، وقد اعتمدت سيرة الشيخ مبارك الصباح على مجموعة كبيرة من المصادر، ومن الطبيعي أن يكون للمصادر البريطانية دورها الرئيسي المهم، وقد تناولت أقلام الباحثين والمؤرخين في مؤلفاتهم التاريخية حياة هذه الشخصية المميزة وفترة حكمه التي تقارب العشرين عام وذلك في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي ومطلع القرن العشرين حيث كان عهده من أخصب عهود حكام الكويت.
وكانت تلك الفترة حاسمة في تاريخ الكويت وكان الشيخ مبارك الصباح هو الدولة ذاتها، وقد حكمها حكماً مطلقاً وواجه عالماً دولياً يتسم بالتعقيد الشديد والكثير من المصالح المتضاربة والمتشابكة على حد سواء، وقد نجح في مواجهة الإدعاءات العثمانية التي شكلت في القرن التاسع عشر تهديداً حقيقياً لوجود الكويت، ولقد كان نضال الكيانات الصغيرة مثل الكويت من أجل البقاء في وسط مناطق التوتر الدولي لا يبشر بالخير، ولكن مبارك الصباح أستطاع أن يخلص الكويت من الأخطار الكبرى بالرغم من تعقد اللعبة السياسية إلى درجة كبيرة.
وقد قال الشيخ مبارك الصباح عن نفسه “إني لست سوى عربي يحكم بلداً على حافة الصحراء”، وهذا القول له دلالته في كثير من النواحي، إذ يمكن اعتبار الشيخ مبارك الصباح عربياً يحكم بلداً غير واضح المعالم يقع على أطراف صحراء الإمبراطورية العثمانية المتداعية، وعلى أطراف دائرة النفوذ المصالح البريطانية الغامضة المعالم، كما أن هذا القول يحمل لنا سمة أخرى من سمات الكويت التي تقع بين الصحراء والبحر.
وقد جاء ذكر الشيخ مبارك الصباح للمرة الأولى في تقرير بريطاني عام 1854م أحتوى على قائمة قصيرة لأسرة الكويت الحاكمة في ذلك الوقت، وكان حاكم الكويت يسمى جابر بن صباح ويبلغ من العمر مائة عام وأثنين، وكان نائبه ولده صباح بن جابر بن صباح الذي كان له سبعة أبناء، أكبرهم عبد الله البالغ من العمر أربعين عاماً والثاني محمد ويبلغ من العمر خمسة عشر عاماً والثالث جراح ويبلغ من العمر ثلاثة عشر عاماً والرابع كان مبارك الذي كان عمره في ذلك الوقت تسعة أعوام. وعندما تولى مبارك الصباح الحكم عام 1896م كان يبلغ من العمر واحداً وخمسون عاماً.
منذ نشأة الكويت وهي تتعرض لمطامع من قبل جيرانها ومن الدول الاستعمارية وذلك لأسباب منها ما تتمتع به من موقع استراتيجي مطل على الخليج وخيراتها الكثيرة. وما من شك أن الكويت كانت عصية على الاحتلال والتبعية السياسية للدولة العثمانية ولم يكن للأتراك سيادة فعلية على أراضيها، لذا كان من المنطقي للغاية أن تسعى للانفصال تماماً عن أي هيمنة عثمانية.
فقد جاء في مذكرات موظف شركة الهند الشرقية صموئيل منستي قبل مائة عام أنه نقل مكاتبه ومخازنه من البصرة إلى الكويت وكان الأتراك قد استعادوا البصرة من الفرس (احتل الفرس البصرة عام 1776 بعد حصار طويل وبقيت المدينة تحت سيطرتهم مدة ثلاث سنوات حيث استعادتها القوات التركية بمساعدة بعض القبائل العربية) وبدءوا في أثارة المتاعب للحكومة البريطانية، وبعمله هذا استطاع تحاشي التدخلات التركية، وهذا دليل على ما كانت تتمتع به الكويت من قسط مقبول في الاستقلال في ذلك الوقت، ولهذا بدأت الدول الكبرى تنظر إلى الكويت كموقع مثالي من جزيرة العرب الذي من خلاله يمكن معرفة (حرارة) الصحراء. “ويضيف التقرير” وفي عام 1860 ذكر الكولونيل لويس بلي وكان وقتها مقيما سياسيا لحكومة بريطانيا في بوشهر أن الكويت بلدة نظيفة ونشطة وسكانها في حدود عشرين ألفاً ويتوافد عليها التجار من جميع الأقطار بسبب استقامة الحكم فيها وعدالته (الزيارة المذكورة كانت في عهد الحاكم الرابع صباح الثاني).
وخلال تاريخها تعرضت الكويت إلي محاولات كثيرة بغرض السيطرة عليها فالدولة العثمانية حاولت مراراً السيطرة على الكويت حيث قام مدحت باشا والي بغداد بمحاولات لإقناع حاكم الكويت بقبول الحماية مقابل إعفائه من الرسوم الجمركية فقبل حاكم الكويت رفع الراية العثمانية مؤقتا إلي أن حدث ما وجب علية توقيع معاهد حماية مع الانجليز فيما بعد بسبب المطامع العثمانية والألمانية في الكويت.
وفي هذا الوقت حدثت تغيرات هامة أثرت في مكانة الكويت، ولم تستطع آنذاك جارة الكويت الكبيرة – الإمبراطورية العثمانية – أن تبسط نفوذها على الإطلاق في المنطقة بسبب المشكلات اللوجستية الضخمة التي تمنعها من الاحتفاظ بوجود عسكري في محافظة البصرة البعيدة عنها، وعلى أية حال فان السلاطين العثمانيين الذين كان لديهم ميل متزايد لأن يكونوا خلفاء وسلاطين للدولة العثمانية في وقت واحد وقد اعتبروا أن الجزيرة العربية كلها أرضاً عثمانية شرعية، وهذا الأمر ربما يكون صحيحا على الأقل من الناحية العملية وبخاصة عندما أنشأت خطوط التلغراف والخطوط البحرية في القرن التاسع عشر، مما يسر وسائل الاتصال بين البصرة ومراكز القوات العثمانية، وقد أدى إلى زيادة الضغط على الكويت المستقلة بالإضافة إلى زيادة التنافس مع بريطانيا، وهي القوة الأخرى التي تعمل على فرض سيطرتها على الخليج.
أهداف الشيخ مبارك الصباح وتضارب المصالح
كانت أهداف الشيخ مبارك بسيطة تتمثل في الاستقلال والرخاء، وبوصفه مسلما كان يأمل في أن يتحقق ذلك بطريقة ما مع الخليفة، فإن لم يكن ذلك ممكنا، فليكن بمساعدة أي كيان، وكانت الأهداف السياسية لكل من الإمبراطورية العثمانية والدول الكبرى الأوربية في الخليج معقدة ومتناقضة، وأدى ذلك إلى كثير من الصراعات خصوصا بين العثمانيين والبريطانيين.
كان العثمانيون يتخبطون بين أمرين، إما أن يتركوا مبارك في أوضاعه الحالية أو أن يحتلوا الكويت، وكان الخيار الأول لا يتطلب الكثير من العناء، ولكنهم لم يفعلوا شيئا لعدة عقود بسبب الخوف القديم الذي مازال مسيطرا عليهم من أن الشيخ مبارك باع نفسه للبريطانيين، أما الخيار الأخر، فقد كان مكلفا لميزانية العراق العثماني المفلسة، وربما ينتهي بكارثة إذا تبين أن لدى البريطانيين رغبة في استخدام العنف فعلا.
ولم يكن البريطانيين بأحسن حالا، فقد خشوا أن يصابوا بالخجل أمام العالم كله إذا ظهر أنهم انتهكوا اتفاقية برلين لعام 1878م، وفي الوقت نفسه كان دافعهم الأساسي للتعامل مع مبارك الخشية من أن تحتل دولة أخرى الكويت بمباركة تركية، ومن ثم كانوا يتخبطون بين احترام أراضي الدولة العثمانية (التي نصت عليها اتفاقية برلين) وبين إقامة محمية كاملة في الكويت، وأخيرا توصلوا إلى حل وسط غير عملي.
في ذلك الوقت، كانت معظم الدول الأوروبية الكبرى تتلاعب بالمفاهيم الجيوبوليتيكية، ودار جدل طويل ونقاش كبير حول السيطرة على أراضي شاسعة أو الطرق البحرية عن طريق بناء السكك الحديدية، وبخاصة إذا كان المكان التنازع عليه يشغل حيزا صغيرا لا يظهر موضعه من الخرائط حيث كانت دقتها متواضعة في مكان ليست هناك معرفة كبيرة بظروفه المحلية، وقد شعرت بريطانيا بأن مناطق بأكملها مثل الخليج وسواحله هي ” مناطق ذات أهمية خاصة لبريطانيا”، وأن على القوى الأخرى أن تبتعد عنه، ولكن لم يكن هناك سند قانوني يعطي بريطانيا الحق في فرض هذا الاحتكار.
وقد انتهج الشيخ مبارك الصباح السياسة التي تمكنه من استغلال التوتر القائم بين الطموحات العثمانية والأوضاع البريطانية إلى أقصى قدر ممكن، بالإضافة إلى الوضع الدولي المتشابك في عهده، وأستطاع بما لديه من مهارة أن يعمل على تثبيت توازن القوى على حدود بلاده الصحراوية للحفاظ على استقلالية الكويت بقدر الإمكان، وكانت حدود الكويت الصحراوية هي نقطة الضعف التي تمثل قلقا كبيرا لدى الشيخ مبارك الصباح، فهذه الحدود كان يسكنها عدد من القبائل الرعوية الحليفة له والتي شكلت ستارا للدفاع عن البلاد ثم أصبحت الآن تواجه ضغط السياسات التوسعية لحاكم حائل عبد العزيز بن الرشيد الذي كان يسعى للحصول على أبار الحفر، التي تدعي الكويت ملكيتها لأنها كانت في نطاق نفوذ الشيخ مبارك الصباح.
ومن أجل ذلك كان عليه أن يقبل نوعا من الحماية البريطانية علي الكويت تتأسس على أن الشيخ مبارك الصباح ليس مجرد حليف لبريطانيا وإنما حاكما مستقلاُ، حيث كان يتمتع بمكانة عظيمة وسلطان في المنطقة وكانت أولوياته الأساسية الأمن والاستقلال، وعليه فقد قام بتوقيع معاهدة الحماية البريطانية في عام 1899م وكانت بريطانيا في ذلك الوقت تمثل بالنسبة له الشريك الأكثر مصداقية مقارنة بالإمبراطورية العثمانية التي لم يكن من المستطاع الوثوق بها في حينه.
وربما كانت السمة الأساسية في سياسة مبارك أنه لم يكن يتحرك على الإطلاق دون أن يغطي ظهره بشكل ما، وحتى عندما تسوء الأمور كان يستطيع عادة أن يجد الملاذ الأمن الذي يلجأ إليه، ومن صفاته الأخرى قدرته الهائلة على المساومة، وهنا كان يستغل (غالبا بدهاء) مطامع الدول الأخرى (وبخاصة ألمانيا وروسيا أو تركيا) ليثير حكومة الانتداب في الهند ويدفعها إلى القيام (وحتى أحياناً وزارة الخارجية في لندن) بأعمال ما كانوا يعتزمون القيام بها إذا ظلت الأمور فاترة، وكان لديه حاسة غريبة بالرغبات والمخاوف التي يبطنها هؤلاء الذين يتفاوض معهم، وكان هذا واضحاُ بوجه خاص في أسلوبه الذي تعامل به مع “ميد” عام 1899م عندما استطاع إضافة البند الثاني إلى اتفاقية 1899م، وقد أحتوى هذا البند على تنازل لا يمكن أن يقدمه سوى حاكم مستقل. ومثال أخر لا يقل أهمية عن ذلك وهو الأسلوب الذي استطاع به الشيخ مبارك الصباح أن يتلاعب بنوكس وكوكس في صفقة بندر الشويخ مما أدى ببريطانيا إلى تكرار وعدها له بالحماية ضد العثمانيين، وفي الوقت نفسه استطاع أن يؤمن استقلال الكويت ضد أي انتهاكات بريطانية محتملة، وكان لحصوله على خطاب كوكس “بالنيابة عن الحكومة البريطانية” عام 1913م أن جعل موقفه أكثر قوة، كما كانت أساليبه في إبعاد المقيمين السياسيين البريطانيين في الكويت عن شؤون الدولة وصداقته الودية للمقيم السياسي كوكس في بوشهر غاية في الإتقان وخالية من العيوب والأخطاء.
كان الشيخ مبارك الصباح يتصرف تصرف حاكم ذو سيادة، ولم يقبل على الإطلاق أي تدخل من قبل العثمانيين أو البريطانيين في شؤون الكويت، وقد شعر بحق أن الإمبراطورية العثمانية لم تكن الدولة بالمعنى الغربي المفهوم – ذات الحدود الواضحة المعالم – وفي بلاد العرب حاولت الإمبراطورية العثمانية أن تفرض حقوق السيادة على شيء هي نفسها التي أدعت إنه في دائرة نفوذها، وفشلت في هذا الأمر بسبب الصراعات الداخلية وانعدام الكفاءات لديها وأيضا بسبب الأسلوب الذي أتبعه الشيخ مبارك الصباح في استخدام الضغوطات الخارجية، وبقبول العثمانيين الاتفاقية البريطانية مع الكويت عام 1899م التي تتضمن حقوق الشيخ مبارك الصباح الكاملة المتعلقة بممارسة سيادته الداخلية والخارجية، كما أن الإمبراطورية العثمانية عام 1913م قبلت ضمنياً أن يكون لحاكم الكويت الشيخ مبارك الصباح الحق في توقيع اتفاقيات ملزمة وفق ما نصت عليه اتفاقية 1899م.
لقد كان هذا هو الإنجاز الأكبر للشيخ مبارك الصباح في سبيل الحصول على مكان راسخ للكويت بمقتضى الأعراف الدولية، ولم يكن هذا من الأمر السهل لرجل غير أوروبي، ولقد حققت الدولة العثمانية اعترافا دولياً كإمبراطورية عظمى بالمفهوم الأوربي، ونظر إليها أن لها الحق في التوسع الاستعماري، وعلى أية حال لم تكن الكويت في الأصل مقاطعة إدارية عثمانية، وكان للكويت الحق في معارضة هذا التوسع، وفي أثناء المحاولات العثمانية لتوسيع رقعة سلطانها في الجزيرة العربية، فقد أدى ابتزازها للكويت إلى أن تعترف الكويت بسيادة مبهمة للسلطان العثماني، ولكنها لم تؤد إلى شكل من أشكال ممارسة السيادة العثمانية، ولمدة خمسة وعشرون عاماً لم تكن هناك محاولات جادة من الجانب العثماني لتقوية الروابط مع الكويت، وعندما حاول العثمانيون أخيرا إن يغيروا من الموقف لكي تصبح الكويت تحت السيادة العثمانية، فقد أستطاع الشيخ مبارك الصباح وله مبرراته أن يعارض السلطان العثماني، ويظهر أن الأيديولوجية العثمانية قد اعتبرت إن السلطان العثماني له حقوق السيادة على شبه الجزيرة العربية بأكملها والتي لم يحاول أن يثبتها، ولذا كانت هذه الأيديولوجية في سبات عميق، وكان السلطان العثماني يعتقد إنه يمكن إحياءها في أي وقت، وكان هذا يعني أن تظل الكويت في خطر دائم إذ يمكن للأتراك أن يدعوا ما يسمى بحقوقهم، والحل الوحيد الدائم أن يكون هناك اعتراف بالكويت كدولة مستقلة شرعية ولها حدود واضحة المعالم من قبل الدولتين البريطانية – العثمانية اللذين لهما دخل مباشر بالكويت وقد استطاع الشيخ مبارك الصباح الحصول على هذا الاعتراف في الاتفاقية العثمانية الانجليزية 1913م والخريطة الملحقة N5الموقعة من قبل الدولتين البريطانية – العثمانية.
وكان الشيخ مبارك الصباح رجل مبتكراً في كثير من المجالات، وكان هو الحاكم العربي الوحيد في المنطقة الذي أستطاع أن يستفيد تماماً من الوضع الدولي، وكان متعطشاً لجمع المعلومات، حريصاً على متابعة ما ينشر في المجلات والصحف العالمية التي كان العثمانيون يحظرون تداولها، كما حاول استغلال الصحافة في التأثير على الرأي العام خارج الكويت، وأدخل المرافق العامة في بلده لأول مرة، وكان في استطاعته – عندما يريد – أن يظهر سواء للأصدقاء الكويتيين أو للأجانب أنه شخص اجتماعي جذاب، ومن الصعب على أي فرد أن يتوقع أن يكون الشيخ مبارك الصباح حاكماً ديمقراطياً في هذه البيئية وفي هذا العصر، لقد كان الشيخ مبارك الصباح حاكماً مطلقاً، وكانت اهتماماته الخاصة واهتماماته بالكويت وجهين لعملة واحدة.
كان الشيخ مبارك الصباح دبلوماسيا ماهرا يتسم برجاحة العقل، واسع المعرفة، ذا شخصية طاغية ومسيطرة علي جميع من حوله، وقد ذكر أحد الألمان الذين زاروه إنه الوحيد بين حكام الخليج الذي كان حاكماً صادقاً ومخلصاً، وكان يقدم نفسه إذا شعر إن ذلك أمر ضروري – كانسان بسيط ويبدو وكأنه ((عربي يجلس على حافة الصحراء)).
وقد جاء في كتاب عن الكابتن “وليم هنري شكسبير ” نقلاً عن مذكراته التي كتبها قبل وفاته 1915وجمعت ونشرت : (Captain Shakespear – By H.V.F. Winstone)
يقول الكابتن شكسبير:“ تقدمت لمقابلة الشيخ مبارك الصباح بمناسبة تعييني 1909 معتمداً بريطانياً جديد في الكويت. ويردف قائلاً في وصف شخصية حاكم الكويت بأن له نظرة صارمة تدل على العزم والثقة وكان وجهه يدل على أنه رجل صاحب حسم وماهراً وحاد الذكاء “.
وأثناء المقابلة وجه الشيخ مبارك الصباح نظرته القاسية المتشككة إلى ذلك الإنجليزي الغامض الملامح الذي تبدو عليه سمات الذكاء والجد، وكعادة الرجال الآتين من الصحراء فان الشيخ مبارك الصباح قلما يسمح لنفسه أو لمن حوله بأن تلوح الابتسامة على وجهه”.
لقد وقف وحيا المعتمد البريطاني الجديد وأجلسه بجانبه وتكلم الرجلان بالأمور السياسية المتعلقة بين الكويت وبريطانيا. ويستمر تقرير الكابتن شكسبير في وصف الشيخ مبارك الصباح فيقول:
“كان أقوى القادة العرب وأكثرهم نفوذاً في تلك الأيام وكان صوته مسموعاً ومميزاً في آفاق بعيدة. كان داهية يختلف عن بقية الزعماء العرب فقد كانت له صفة عالمية”، مما يدل على ما كانت تتمتع به الكويت من مكانة في المجتمع الدولي.
وكان الشيخ مبارك الصباح شخصية ساحرة محبوبة جداً تبعث على الاحترام، حتى أن أعداء الشيخ مبارك الصباح مثل نوكس قد تأثروا أحيانا بسحره، وكان نفوذه على الكويت كدولة ذات سيادة في منتهى الحسم، رغم أن هناك من لم يفهم أبعاد هذا الأمر تماماً، وكان أسلوب الشيخ مبارك الصباح مع البريطانيين ينطوي على كثير من الدهاء، وهو أبعد من مجرد طلب حمايته من الأتراك، والحقيقية إن الشيخ مبارك الصباح كان يحاول الحفاظ على استقلاله كما كان يحاول إيجاد توازن بين القوتين الإقليميتين الكبيرتين، وكان بعض من القادة في المنظومة العثمانية يعتقد أن الشيخ مبارك الصباح موال للعثمانيين، بينما لم يشك البريطانيون على الإطلاق في أخلاصه لهم إخلاصا تاماً، فقد كان للبريطانيين من الأسباب ما يجعلهم أثناء الحرب العالمية الأولى يعترفون بعظم جميل الشيخ مبارك الصباح لموقفه المعارض لوصول خط سكة حديد بغداد إلى المنطقة الأخيرة مما تسبب في تأخير إنشاء ذلك الخط وإلا لكان الجيش البريطاني الهندي الضعيف قد واجه عدواُ أقوى بكثير في العراق، وكان هذا الخط أيضا من شأنه إعطاء الألمان الفرصة لإثارة المشاكل في إيران وأفغانستان لأصبحت السيطرة البريطانية في الخليج محل تهديد في ذلك الوقت.
كان الشيخ مبارك الصباح يتمتع بأهمية خاصة لدى البريطانيين، ففي نهاية يناير 1915م وصل نائب الملك في حكومة الهند اللورد هاردنج Harding إلي الكويت، وصعد الشيخ جابر المبارك نجل الشيخ مبارك الصباح بالنيابة عنه وبرفقته المقيم السياسي الانجليزي بيرسي كوكس علي متن السفينة للترحيب بنائب الملك، ثم استقبله الشيخ مبارك الصباح وأقيمت مراسم تسليم وسام الفارس من رتبة قائد للشيخ مبارك الصباح، وهو من أعظم نياشين الدولة القيصرية البهية الإنجليزية في حكومة الانتداب في الهند، ومن الطبيعي إن الشيخ مبارك الصباح قد أحتاج إلي شيء جديد، حيث لم يعد في حاجة إلى ارتداء النياشين العثمانية الثلاثة ، لقد أصبح الشيخ مبارك الصباح الآن يقف بقوة وعزم إلي جانب المعسكر البريطاني، وفي هذه الأثناء كانت المعارك مستمرة بين البريطانيين والعثمانيين في بلاد النهرين.
المحصلة النهائية إن الشيخ مبارك الصباح كان لاعباً ماهراً جداً على المسرح السياسي الإقليمي، ولقد كان أسلوبه في العمل يوصف من قبل بعض الغرباء بأنه أسلوب مغامر نادر إلى حد ما، ولكننا لو اقتربنا منه لوجدنا أساليبه في منتهى التشويق والجاذبية، كما يبين التحليل الشامل أن أساليبه كان لها قيمتها وأهميتها واهتماماتها، فمن النادر أن يكون هناك مفاوضاً مثل الشيخ مبارك الصباح له مثل هذه القدرات النادرة التي حفظت الكويت إلى حد كبير بالوسائل السلمية، لأن الكويت لا تملك الإمكانات العسكرية الكبيرة، وإنها قد كسبت الاعتراف الدولي كدولة ذات سيادة.
كان الشيخ مبارك الصباح العامل الرئيسي في تطوير مشيخة صحراوية إلى دولة حديثة، وإنه لأمر جدير بالاهتمام أن نرى كيف أستطاع هذا الرجل المؤسس العجوز الماهر أن ينجح في حوالي 80% مما قام به في خدمة الكويت.
أسباب الوفاة
كان الشيخ مبارك الصباح يعاني من مرض بالملاريا وتصلب في الشرايين وضعف في عضلة القلب، وفي 28 نوفمبر1915م ، خرج من بيته إلى مجلسه بعد أن غاب عنه لعدة أيام، وقد كان يريد سماع أخر الأخبار بشأن المعارك التي كانت تدور في العراق إبان الحرب العالمية الأولى، وبعد سماعه الأخبار تناول العشاء وأسند رأسه على الأريكة وغط في نوم عميق، وفي الساعة الثامنة وخمسة عشر دقيقة من مساء نفس اليوم أراد حارسه الخاص أن يوقظه كي يذهب إلى البيت فوجده قد توفى.
وأعلن عن وفاة الشيخ مبارك الصباح “أسد الجزيرة”. والذي كان يسمي الرجل الأول في المنطقة، وإن وفاة الشيخ مبارك الصباح لهى علامة فارقة في تاريخ المنطقة. وكانت ناقوس خطر على دولة الكويت، فظروف وفاته جاءت على خلفية تثبيت دعائم الدولة واستثمار الواقف الدولية والإقليمية لترسيخ ذاك التثبيت. فقبل عامين من وفاته تم التوقيع على الاتفاقية العثمانية الانجليزية 1913م، المؤرخة في 29 من شهر يوليو من 1913م والتي وقعها من الجانب العثماني إبراهيم حقي باشا وزير الخارجية ومن الجانب البريطاني السيد أدوراد جراي وزير الخارجية البريطاني.
والتي جاءت بعد تاريخ حافل من المناورات السياسية والصراع مع القوي الدولية- الممثلة في الإمبراطورية العثمانية والاستعمار البريطاني- والقوى الإقليمية الممثلة في دول الجوار،السعودية والعراق، والأخيرة لم تك مستقلة القرار إذ كانت خاضعة للعثمانيين، وربما شكلت التيارات القبلية فيها دوافع للعثمانيين لممارسة الضغوط على الأمير الراحل، ولقد أسبغ الشيخ مبارك على الحياة الكويتية الروح الوطنية وبناء القدرات الناهضة بشعب له ولاءه المستقل وخصوصيته المجمع عليها وطنيا، فقد رحل، إذا، وترك وراءه ثقل العطاء لمن يجيء من بعده، وعليه فقدت الساحة السياسية في منطقة الخليج شخصية تتمتع بذكاء شديد وحنكة سياسية في التنظيم والإدارة على مستوى منطقة الخليج برمتها.
وتمت وراثة عرش الحكم في الكويت بكل يسر وهدوء وبرضا جميع الأطراف من الأسرة الحاكمة وعموم سكان الكويت دون تدخل من الجانب الانجليزي، فقد خلفه أبنه الأكبر الشيخ جابر المبارك الصباح ، ولقد سارت الكويت في عهد الشيخ جابر المبارك على الدرب الأمن، وقد كان هناك بعض التخوف في أوائل عام 1916م بعد وفاة الشيخ مبارك الصباح عندما تراجعت القوات البريطانية الهندية لفترة معينة أثناء المعارك في العراق، ولكن القوات العثمانية لم تقترب كنتيجة لذلك علي الإطلاق من أراضي الكويت منذ ذلك الوقت. رحم الله حاكم الكويت السابع الشيخ مبارك الصباح . أسد الجزيرة ومؤسس الكويت الحديثة.

المراجع

1) Hughes Thomas: Selections From The Records of The Bombay Government, p 295
2) Paris AE, NS Mascat 15,fos, 149-150, French consul Dejean in Calcuta, with cutting from Times of India containing a report on the Viceroy’s visit to Kuwait on 31stJanuary 1915
3) Political Diaries, Vol. 6, pp 146 and 158

آخر مقالات الكاتب:

عن الكاتب

د.مبارك القفيدي

حاصل على الدكتوراه،باحث في التاريخ السياسي والعلاقات الدولية، كاتب صحفي
twitter: @mubarak_u77

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *