أ.د. محمد إبراهيم السقا

خرافة الشيميتا .. هل هناك كارثة عالمية في سبتمبر 2015؟

تنتشر في العالم نبوءة مفادها أن هناك كارثة سوف تحدث في هذا الشهر في الولايات المتحدة. صاحب النبوءة شخص اسمه جيف برويك، الذي حاول الترويج لها من خلال فيلم على موقع يوتيوب حصد أكثر من مليون و300 ألف مشاهدة حتى كتابة هذا المقال. مقدمة الفيلم تحاول إقناع المشاهد بأن هناك حدثا له مضامين عميقة في سبتمبر 2015، وأنه نتاج سر غامض عمره 3000 سنة يسمى الشيميتا، اهتدى إليه برويك من خلال قراءته قصة The Harbinger التي نشرت في 2012 لمؤلف يهودي اسمه جوناثان كان، الذي يحاول في القصة المقارنة بين الانهيار القادم للولايات المتحدة، بدءا من هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ودمار مملكة إسرائيل.

الشيميتا هي العام السابع من الدورة الزراعية السباعية المذكورة في التوراة، وكلمة شيميتا وفقا لرواية جوناثان كانت تعني الراحة أو الغفران، التي تستخدم كما سنرى في مواقف مغايرة تماما للمعنى المطلق لها، ويفترض أن كل سبع دورات للشيميتا يحدث اليوبيل، الذي سيكون في هذا الشهر الذي نحن فيه.

يبدأ برويك بالتدليل على صحة الشيميتا من بداية القرن العشرين، حيث يقفز إلى سنة 1917 كسنة شيميتا بأنها السنة التي دخلت فيها أمريكا الحرب، مع أن الحرب بدأت من 1914 وطوال سنوات الحرب التي سبقت 1917 حدثت أهوال، يبدو أن الشيميتا تجاوزتها. ثم يقفز إلى سنة 1931-1930 باعتبارها عام شيميتا ليظهر لنا أن الأسهم الأمريكية تراجعت بشدة خلال هذه الشيميتا، مع أن الأسهم كانت تتراجع على النحو نفسه قبلها وبعدها، وهو أمر كان سيحدث سواء كنا في شيميتا أم لم نكن، فقد كانت أمريكا تعاني كسادا عظيما.

لكن ما أثار انتباهي أنه لم يتناول ما حدث في سنة الشيميتا بين 1931-1917، فلم يكن هناك دليل على صحة الشيميتا خلال هذه الفترة. ثم يلوي عنق التاريخ بأن شيميتا 1938 شهدت بداية الحرب العالمية الثانية بعدوان الألمان على النمسا، مع أن التاريخ الرسمي للحرب كان في 1939. أما شيميتا 1945 فقد شهدت خروج دول العالم مدمرة من الحرب، مع أن تدميرها الحقيقي كان أثناء الحرب وليس بعدها، ولا أدري لماذا نسيت الشيميتا أن تشهد ضرب اليابان بالقنبلة النووية، باعتباره أخطر حوادث الدمار في العالم.

لكن برويك يقفز من 1945 إلى 1973، محاولا تناسي أثر سنوات الشيميتا خلال هذه الفترة (عدا شيميتا 1967 كما سيرد أدناه)، فمثلا في 1948 حدثت حرب فلسطين التي انتهت بقيام دولة إسرائيل، التي كان من المفترض أن تكون أكبر يوبيل للشيميتا اليهودية، ومع ذلك لم تحدث في سنة شيميتا. سنة 50 شهدت الحرب الكورية، وفي 56 حدثت حرب السويس التي أنهت النفوذ البريطاني في العالم، كما تعرضت الولايات المتحدة خلال هذه الفترة لخمس حالات من الكساد لم تقع في أعوام شيميتا، بل إن هناك قائمة طويلة جدا من الأحداث في العالم في شتى المجالات، لماذا لم يكن هناك أثر للشيميتا خلال هذه الأعوام الطويلة؟ فهل قررت الشيميتا أن تأخذ هدنة خلالها؟

يقول برويك في شيميتا 1973 انهار النظام النقدي العالمي القائم على اتفاقية بريتون وودز، مع أن الانهيار الحقيقي حدث في 1971 عندما أعلن نيكسون وقف صرف الدولار بالذهب، ومع ذلك فإن الشيميتا تخطت صعود النفط وكساد السبعينيات وتضخمه الركودي، لتشهد شيميتا 1980 نهاية صعود الذهب، ولكن كان هذا الحدث كارثة؟ أم أنه لي لعنق الأحداث كي يرتبط شيء ما بالشيميتا.

شيميتا 1987 شهدت يوم الثلاثاء الأسود في سوق نيويورك وشيميتا 1994 شهدت تراجع أسعار السندات لكن كساد 1990 أهملته الشيميتا. في شيميتا 2001 حدثت أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي اتخذ منها جوناثان كان أساسا لروايته عن انهيار أمريكا، ويوم انتهاء عام شيميتا في 2008 لم يدق جرس سوق الأوراق المالية، ولا أدري ما الكارثة التي يمكن أن تحدث إن لم يدق الجرس بسبب عطل ما، فقد تابع السوق معاملاته مباشرة بعد ذلك.

أما لي العنق الأكبر فهو الحديث عما يحدث في أعوام اليوبيل، أي كل 49 سنة (سبع شيميتات)، ومنها اليوبيل المقبل في 2015، ووفقا للديانة اليهودية فإنه في عام اليوبيل يعيد الله لليهود جزء من الأرض المسلوبة منهم، وفي يوبيل 1967 هزم اليهود العرب وسيطروا على القدس، أما في اليوبيل الذي سبقه في 1918 فقد أعاد الله الأرض لليهود باستعمار الإنجليز للقدس، ولكن لماذا لم يقع قيام دولة إسرائيل 1948 في يوبيل شيميتا، وهو أهم حدث في تاريخ اليهود في العصر الحديث؟ ثم ماذا أعاد الله لليهود في اليوبيل الأسبق في 1869، أو اليوبيل الذي قبله في 1820، بل ماذا سيعيد الله لليهود من الأرض التي سلبت منهم في يوبيل 2015.

يستعرض برويك مهاراته في التنبؤ مشيرا إلى أنه تنبأ في عام 2000 بانهيار الدولار، وأن هذه النبوءة تحققت مدللا على ذلك بجبال الديون التي تحملها الولايات المتحدة، غير أن ما يصفع برويك على وجهه هو حقيقة أن الدولار اليوم هو أقوى عملات العالم بلا منازع، وأن المخاوف من أثر الديون في الاقتصاد الأمريكي آخذة في التراجع، وأن الاقتصاد الأمريكي هو الاقتصاد شبه الوحيد الذي يحقق نموا بخطى ثابتة، مقارنة بالاقتصادات العملاقة الأخرى في العالم مثل الاقتصاد الأوروبي أو الصيني أو الياباني، أو حتى باقي الدول الناشئة مثل مجموعة بريكس.

لخلفيته الضحلة يعيب برويك على الاحتياطي الفيدرالي بأن كل ما فعله في مواجهة أزمة 2008 هو طباعة المزيد من النقود، ولأنه لا يفقه شيئا في سياسات الاستقرار الاقتصادي لم يدرك أن علاج الأزمة العميقة كان في طباعة النقود للحفاظ على معدلات الفائدة منخفضة لتحفيز نمو الطلب الكلي والخروج من الأزمة نهائيا، وهو ما حدث بالفعل، حيث تستعد أمريكا اليوم لسحب تريليونات الدولارات التي أصدرها الاحتياطي الفيدرالي حتى ترفع معدلات الفائدة مرة أخرى.

يدلل برويك على صحة وجهة نظره بأن عمليات التيسير الكمي أدت إلى تحول الكثير من الدول عن الدولار، ومنها الصين التي أنشأت نظام المدفوعات الخاص بها، وأن هناك تحولا عالميا عن الدولار، وهذا ادعاء غير مدعم بالإحصاءات التي تشير إلى أن الطلب على الدولار يتزايد. أما نبوءة أن التحول عن الدولار سوف يصل أقصاه في 15 سبتمبر 2015، فهي نبوءة تأتي في التوقيت الخطأ، فلم يبق على هذا التاريخ سوى أسبوعين والدولار يحلق عاليا في كل أسواق العملات في العالم. أما باقي الدلائل التي يسوقها للبرهان على صحة النبوءة مثل اجتماع الأمم المتحدة، وحضور البابا الاجتماع وتحركات الجيش الأمريكي … إلخ، فمثيرة للشفقة بالفعل.

مع الأسف الشديد ما يحاول برويك أن يقنعنا به عن صحة خرافة الشيميتا هو مجرد سرد دلائل انتقائية يمكن أن تحدث لأية توليفة من السنوات، حيث يستطيع الفرد أن يحصر كوارث أكثر من هذه لو تتبعنا شيميتا طولها ثماني سنوات أو ست سنوات، ذلك أن هذا التوافق الزمني مع الشيميتا قائم أساسا على الصدفة لا أكثر ولا أقل.

لكن الأفّاق يتدارك الأمر قائلا في نهاية الفيلم “إذا كنت أنا مخطئا تماما، وإذا لم يحدث شيء في سبتمبر 2015، فإن ذلك سوف يكون شيئا عظيما”، لكنه يرى مع ذلك أن الاستعداد لهذا اليوم لن يكلف الشخص شيئا، أما الروشتة التي ينصح بها فهي شراء الذهب، وترك الدولار، وتخزين الطعام، وحمل السلاح، وإن أمكن مغادرة الولايات المتحدة كليا، هل قرأتم نصائح أكثر سذاجة من هذه؟ والآن لماذا يطلق هذا الأفّاق هذه التحذيرات؟ الإجابة نجدها جاهزة في نهاية الفيلم وهي زيارة موقعه بعنوان كيف تتجنب الشيميتا؟ وكي تعرف الإجابة عليك دفع اشتراك قدره نحو 40 دولارا، أي بالعملة التي يتوقع انهيارها ويدعو الناس إلى تركها.

أتصور أن الأسباب التي دفعت هذا البونزي إلى تصوير الفيلم وضحت الآن، وأنه لا كارثة في الأفق في سبتمبر 2015 كما يشاع حاليا، وأن الشيميتا هي مجرد خرافة، مهما توافقت معها بعض الأحداث بالمصادفة البحتة.

آخر مقالات الكاتب:

عن الكاتب

أ.د. محمد إبراهيم السقا

أستاذ الاقتصاد – جامعة الكويت
[email protected]
@elsakka

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *