غنيم الزعبي

«ضنينات النفوس لها مزار»

بعد الأربعين بحكم الســـن وبحكم الواجب تكثر زياراتك للمقابر لاداء واجب العزاء. وأكثر الأشياء المتكررة التي لاحظتها هي أن أكثر المتأثرين في صف مستقبلي العزاء هو الأخ سـواء كان المتوفى «شايب» طاعنا في السن وشقيقه هذا الذي يبكي لا يصغره بســنوات كثيرة، أو كان طفلا رضيعا وشقيقه الغارق في البكاء ولد لا يتجاوز عمره سن المراهقة.
تجد الصبر والتحمل في وجوه أغلب أصحاب العزاء إلا ذلك الأخ والشقيق تراه يجهش بالبكاء بتأثر كبير ويداه ترتعدان بالكاد يصافحك.

الأخوة ذلك الرابط الحميمي الطويل الذي يبدأ من أول إطلالة لك في هذه الدنيا إلى آخر نفس لك فيها. ولعل الشقيق الباكي في عزاء أخيه تذكر بعض فترات تلك الرحلة الطويلة من أخوة الدم. أوقات جميلة جمعتهما وذكريات عزيزة على القلب لا يعلمها غيرهما إلا خالقهما. أو لعله يتذكر كذلك تقصيرا بدر منه تجاه شقيقه في قلة وصله أو مساندته في محنة ألمت به. يتمنى لو يعود به الوقت ليعوض تلك الأوقات بوصله والبر به. وقد خلد الشعراء تلك العلاقة.

فهذا هو المهلهل بن ربيعة (الزير سالم) يبكي عند قبر أخيه كليب وينشد:

أهاج قذاء عيني الإذكار

هدوّا فدموع لها انحدار

دعوتك يا كليب فلم تجبني

وكيف يجيبني البلد القفار

أجبني يا كليب خلاك ذم

(ضنينات النفوس لها مزار)

وكنت أعد قربي منك ربحا

إذا ما عدت الربح التجار

كأني إذا نعى الناعي كليبا

تطاير بين جنبي الشرار

فدرت وقد غشى بصري عليه

كما دارت بشاربها العقار

سألت الحي أين دفنتموه

فقالوا لي بأقصى الحي دار

فسرت إليه من بلدي حثيثا

وطار النوم وامتنع القرار

وكذلك يقول الشاعر محمد الوافي الزعبي في مدح أخيه خالد مبارك الزعبي:

نيابة عن تاج راسي ومحزمي

أخوي لا كبرت علي أمورها

يشيل ما شال البليهي ويرتجي

ما جاك من الحليلة بشورها

نقطة أخيرة: بر أخاك في حياته ولا تنتظر ذلك اليوم.

آخر مقالات الكاتب:

عن الكاتب

غنيم الزعبي

مهندس وكاتب
twitter: @ghunaimalzu3by

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *