جلبة في صالة التحرير، قهقهة عالية بين أروقة مكاتب الزملاء في الجريدة، جلابية توشك أن تكون كويتية وما هي بكويتية، تماماً كما هي لهجته إن أراد أن “يكوّتها” فتخرج من فمه عرجاء من غير سوء: شغبارك، أي شخبارك… شفيك يا معوّت! فأصحح له: يا معوّد (بالحاء المربوطة يا رضى)، فيقهقه: يا عم عدّيها بالتاء المزبوطة، الحاء تقال للحمير والتاء للتأنيث… وغير ذلك من المفردات الكويتية التي كان يشرّبها بلهجته الأم، التي لا يتنازل عنها إلا لدواعي الضحك والمزاح.
أين أنت يا معوت؟ هل مللت منا فقررت هجرنا وهجر معشوقتك “اللغة الفصحى”، بحروف جرها التي كنتَ تقف سداً منيعاً ضد من يتجاهل تأثيرها (مش عارف ليه أخونا المحرر الألمعي بينصب الكلمة وهيه مجرورة من ودانها؟ هو حرف “الباء” شوية في البلد يا جدعان؟)… هل زهقت من “الأفعال المتعدية” على أملاك الغير، كما تصفها (دي أفعال شغالة نصب تك تك)… من سيعول بعدك “واو الجماعة” ومن سيثأر لـ”الواو المقطوعة من شجرة” كبدي عليها؟ من مثلك سيعيد ترتيب فوضى الأخبار و”يدسّكها” بشقاوة وحرفية، ويستخرج من جوفها مانشيتات تؤكل بأصابع اليد الواحدة؟
من بعدك سيهاتفني ساخراً من صياغة (المحرر إياه، في تلك الجريدة): “بزمتك يا بو سلمان ده يتقال عنه صياغة خبر؟ يكتبه محرر بقاله أكتر من خمستعشر سنة في الصحافة؟ ده للعشماوي على طول هو والخبر بتاعه… من سيهاتفني يا رضى معلقاً على مقالتي قبل النشر، إما قادحاً: “كنتَ استلفت ملح من جيرانكم إزا ما كانش عندك ملح تحطه على مقالة النهارده”، أو مادحاً: “أيوه كده اعدل لي دماغي، بحبك يا وشيحي وأنت برازيلي ترقّص الكلمات والجمل على الكتف والصدر، بحب السامبا”…
ياه يا رضى، يااااه، كم هو مؤلم فراق الأحبة، الفوضويين منهم تحديداً… عزاؤنا الحار ليوسف وأشقائه ووالدته، ولكل أهلك ومحبيك وما أكثرهم، ولزملائك في كل وسائل الإعلام التي تنقلت بينها… وها أناذا أكتب “رضى” بالألف المقصورة كما تريدها أنت، لا الممدودة كما كنا نغيظك.
آلمتنا يا رجل… فإلى جنات الخلد أبا يوسف.
اليوم: 9 سبتمبر، 2012 
هل هناك خداع أكثر من هذا؟!
هناك كما حذرنا مرارا وتكرارا مشروع يهدف الى تدمير الكويت ونشر الفوضى بين ربوعها كي تلحق بركاب الدول غير المستقرة في المنطقة، ومشروع مدمر كهذا لا تقوم به مخلوقات من كواكب اخرى خضراء اللون ذات ذيل طويل، بل شخوص وقوى تعيش بيننا وتدعي الاخلاص والوطنية والمحافظة على الدستور ومحاربة الفساد حالها حال الزعيم «الوطني» اللبناني ميشال سماحة، وكم ميشال سماحة بيننا نرى صورهم ونقرأ اقوالهم الخادعة كل يوم.
***
وضمن مخطط الخداع ان تهدم الكويت تحت راية الحفاظ على الكويت! وذلك عبر مواقف واصدار تشريعات دمرت بحق الكويت وطفشت الاستثمارات بعيدا عنها كحال تشريع الـ B.O.T، منع حقول الشمال، منع الداو، منع تحديث اسطول «الكويتية»، منع دعم الشركات المساهمة الكويتية، رفع اسعار الاراضي على الشباب بسبب تشريع الاراضي العامة.. الخ، مما جعلنا الدولة الوحيدة في الخليج والعالم التي تعتمد ميزانيتها العامة على مورد النفط الناضب عاجلا او آجلا، في وقت يرقب شعبنا ما يحدث في الدول الخليجية الاخرى التي تسبب عدم وجود مثل تلك الشريعات فيها الى تحول بلدانهم الى محج للاستثمار والسياحة والمراكز المالية.
***
وضمن سياسة الخداع ان يهدم الدستور بحجة الحفاظ على الدستور! فيفرغ من معانيه السمحة عبر السماح بالاستجوابات الكيدية التي تشغل البلد واعتراضهم في الوقت ذاته على استخدام الحكومة لوسائلها «الدستورية» المتاحة مثل التأجيل واللجوء للمحكمة الدستورية والاحالة للجنة التشريعية، ثم «نسف» الدستور بأكمله عبر المطالبة بالحكومة الشعبية او البرلمانية التي لم نر مثلها في الدساتير الجديدة لمصر وتونس وليبيا التي تعطي رئيس الدولة ـ لا البرلمان ـ حق اختيار رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة، ومثل ذلك مشروعا الدائرة الواحدة وقيام الاحزاب غير الدستوريين، فما الذي ابقاه حاملو راية «إلا الدستور» من الدستور بعد كل تلك التعديلات.. غير الدستورية؟! وهل اصبح الأتباع من الشباب بهذه السذاجة فيقال لهم تارة ان تعديل الدستور خيانة وطنية وتارة أخرى قمة في الوطنية؟!
***
ويتم الحديث الكاذب والمخادع عن محاربة الفساد والاستيلاء على المال العام، وأول مبادئ محاربة الفساد والقضاء على حرامية المال العام في العالم اجمع هو تعزيز هيبة السلطة وإجلال القضاء وأحكام المحاكم واحترام رجال الامن لدينا، يمر مشروع محاربة الفساد المخادع بالهجوم على هيبة السلطة والتشكيك في القضاء والاعتداء على رجال الامن وعدم اصدار تشريعات الذمة المالية من قبل من يدعون الطهارة وهم من تحولوا وبسبب عملهم التشريعي والسياسي من موظفين حكوميين صغار الى اكبر الاثرياء في البلد والمنطقة.
***
وضمن حديثهم المخادع مطالبتهم بالحفاظ على «الحياة الديموقراطية» وما لا يقولونه ان افعالهم التي هي اهم كثيرا من اقوالهم تهدم اهم المبادئ التي تقوم عليها الديموقراطية وهي الايمان بـ «الرأي والرأي الآخر»، فما نراه هو تسفيه وتشكيك وتحقير للرأي الآخر مما يحيل ما يدعون إليه الى ديكتاتورية قمعية مستترة تنتظر الفرصة كي تتحول الى ديكتاتورية معلنة تكشف عن وجهها القمعي القبيح مع اللحظة الاولى للتحول الى مشاريع الحكومة الشعبية والحزبية والدائرة الواحدة التي سيكون أولى ضحاياها.. من يدعون إليها هذه الايام..! يا للذكاء!
***
آخر محطة: ضمن مشروع الخداع الكبير الهادف للتدمير ان تدعي قولا الايمان بدولة المؤسسات وانت تعرقل بعملك اعمال السلطة التنفيذية وتوقف اعمال السلطة التشريعية برفضك الحضور او الاستقالة وتطعن بأحكام المحكمة الدستورية لأسباب.. لم تعد خافية..! وخووش ايمان بدولة المؤسسات..
او ما تبقى منها!
البحث عن المعنى
كانت “فيزا” الهجرة إلى الولايات المتحدة جاهزةً لـ”فكتور فرانكل” فهو طبيب نفسي مشهور وأستاذ جامعي، لكنه أيضاً يهودي نمساوي، وجيوش هتلر تدق أبواب النمسا، ولم يكن سراً ماذا يعني أن تكون يهودياً تحت الاحتلال النازي. لكن فكتور آثر التضحية ورفض الهجرة إلى أميركا لأن والديه المسنيين كانا بحاجة إلى رعايته، وكانت النتيجة المحتومة، فقد أسره النازيون ونُقِل إلى معسكر “أوشفيتس” الشهير، وهناك إما أن تعمل كعبد في بناء سكك الحديد، وهذا يفترض أن تكون بكامل صحتك الجسدية، وإلا فغرف الغاز في انتظارك.
يجتهد ويتظاهر السجناء مهما كانت حالتهم الجسدية مزرية، بأنهم بصحة جيدة حتى لا يرحلوا إلى غرف الغاز، فإصابة “الغرغرينا” بأصابع الأقدام بسبب العمل في إزاحة الثلوج، وشيوع مرض التيفوئيد بين السجناء كلها مسائل عادية طالما لم يلاحظها “الفورمان” ويبلغ عنها الحراس الألمان. “الفورمانيه” هم من اليهود ضعاف النفوس الذين اختاروا أن يعملوا بتلك الوظيفة كعملاء للنازيين مقابل بعض الميزات كالإبقاء على حياتهم إضافة إلى ميزات مادية، وهنا يفرق فكتور بين الخنازير والقديسين في أنواع البشر، فالخنازير هم الذين فقدوا الأمل بالمستقبل، واستسلموا لواقع القهر في المعسكر وارتضوا أن يعيشوا كطفيليات وجواسيس للنازيين على عكس أصحاب الهمم العالية للقديسين.
يبدأ الطبيب فكتور بتشريح النفس البشرية، فعنده الحياة ليست بلا معنى مهما كانت قسوة الظروف، وتحت وطأة العذاب في المعسكر تهمش بل وتتلاشى الضرورات الإنسانية، فالجنس ليس له مكان، فغريزة البٍقاء تظل هي المهيمنة، وحتى تبقى وتتحدى الواقع المر، لابد من الأمل، والأمل هو الحب والإيمان بغد أفضل. السجناء الذين فقدوا هذا تهاووا بسرعة واستسلموا للموت، بينما ظل فكتور يقاوم بالعمل بمساعدة وعلاج المرَضى نفسياً وجسدياً بالمعتقل وسلاحه حلمه بأن يلقى زوجته يوماً ما.
بعد التحرير، وضع فكتور أسس علم نفس العلاج بالأمل والعمل لكسر تمحور الإنسان حول ذاته، أسماه logo therapy، فهناك دائماً معنى للوجود الإنساني، وبهذا يقف فكتور على طرف نقيض من الفلسفات العدمية، التي لا ترى أي معنى في الوجود، وأن وجودنا هو صدفة القدر، والحياة مجرد عبث لا معنى له. “اللوغو ثرابي” ينبش معنى الوجود في النفس الإنسانية ويحرك الصراع الدائم في الذات البشرية لإقامة التوازن فيها وليس تركها لتحطم ذاتها. الفراغ هو كارثة تصيب النفس الإنسانية، ويذكرنا فكتور بمرض الأحد العصبي sunday neurosis في الولايات المتحدة. حين يكون الفراغ والبطالة من نتائج أيام العطل (ملاحظة لم يدر فكتور عن حالتنا بالكويت)، هذا الفراغ الروحي يسبب الاكتئاب والملل النفسيين، وهنا ندخل بالدائرة المفرغة بالعلاج عن طريق المخدرات والمسكنات النفسية، أو حين يترصد الفارغون لأحاديث مثل: ماذا يفعل فلان؟ وماذا قالت فلانة؟ كما هو الحال عندنا، بينما لب المرض يكمن في عمق الذات، اسمه الفراغ الوجودي existential vacuum، هذا الخلاء الوجودي يولد العدوانية وإدمان المخدرات، ويمضي فكتور مقرراً أن للإنسان مهمة في هذه الدنيا وعليه أن يحققها حسب ظروفه، فلا مكان لافتراض الشروط التي يتوهم البشر أنها تحد من قدراتهم الذاتية، وإنما هي القرارات الحاسمة هي التي يعول عليها.
عاش فكتور طويلاً ودرس بالجامعات الأميركية ومارس العلاج النفسي حتى أيامه الأخيرة وتوفي عام 1997 تاركاً لنا، مهما اختلف معه الكثيرون في معنى الوجود، فكراً حياً يزودنا بالأمل ومعنى التضحية وحب الإنسانية.
عنوان الكتاب “بحث الإنسان عن المعنىman’ s search for meaning
تجربتي مع المفتش
مررت قبل عشرين عاما تقريبا بتجربة طريفة لا بأس من ذكرها كمدخل لموضوع المقال. زار مكاتب شركة أمتلكها وأديرها أحد مفتشي البلدية، طالبا الكشف على المواد الغذائية التي نتعامل بها، والتأكد من صلاحيتها للاستهلاك البشري، وطريقة تخزينها وظروف العمالة المشرفة عليها وحيازتهم لشهادات لياقة صحية. وهنا عرضت مصاحبته في جولته، فقبل على مضض، فأخذته لكل المخازن بسيارتي وأطلعته على أماكن لم يكن يعتقد أن فيها مواد غذائية، وطلبت من العمال إحضار رزم وكراتين من تحت الصفوف، ليكشف عليها واحدة واحدة، كما طلبت منهم إبراز هوياتهم وشهاداتهم الصحية ومطابقتها بكشف العاملين، واطلعته على ظروف العمل والتخزين، وسهلت مهمته لأقصى درجة بحيث خامره الشك في نواياي، فشكرني بتردد، وقال إنه عادة ما يقوم بالتفتيش منفردا، ومصاحبتي له حيّرته قليلا، ولم يقل إنني شكّكته في نواياي! وهنا طلبت منه مصاحبتي لمكتبي فوافق، وهناك شكرته وقلت له: ليس في الأمر شيء مريب، فلست أكثر أمانة من غيري ولا أدعي شرفا قد لا أستحقه، ولكن المسألة تتعلق بالمنطق، فقد صحبتك تشجيعا مني لك على أداء عملك، بعد أن أصبح «السوق» يعجّ بكل أفّاق وغشاش أثيم، وأن المخلصين في أعمالهم في تضاؤل مستمر، الغلبة ستكون ربما للحرامي والغشاش في نهاية الأمر، ومن هنا كان ترحيبي به ومساعدتي له في إنجاز مهمته! ففتح فمه غير مدرك ما أرمي إليه بكلامي، فاستطردت قائلا: إن صحتي وصحة أسرتي في يده، وجميعنا نعتمد في صلاحية ما نأكل على مدى إخلاصه في عمله ونظافة يده برفضه لأي رشى أو إغراءات، فأنا أبيع ربما 20 أو 30 صنفا من المواد الغذائية، ولكني أستهلك أضعاف أضعافها من الأصناف الأخرى التي يستوردها ويخزنها ويبيعها غيري! فإن أنا نجحت في دفع رشوة له أو لغيره من المراقبين، ونجحت في تمرير مواد غذائية فاقدة الصلاحية، فإنني حتما سأجني بعضا من المال، ولكن ما هو الضمان من أن غيره من المفتشين لن يحذوا حذوه ويتقاضوا الرشى نفسها من تجار مواد غذائية آخرين ومن اصحاب مطاعم وفنادق ومخابز وغيرها، وبالتالي، فإن ربحت بعض المال هنا، فسأخسر مالا وصحة أكثر هناك! وبالتالي من الضروري تشجيعه، لأنه الضمان الوحيد الذي أعرفه في حمايتي من مواد الآخرين التالفة، وهو «عيني الغذائية» الساهرة! كما أن قيامه بدوره بشكل جيد ضمان له شخصيا ولأسرته! فهو قد يقبل رشوة مني ويسعد بها، إن مرر ووافق على ترخيص بضائع تالفة لي، ولكن ما الذي يضمن له أنه لن يتناول، ربما في اليوم نفسه، المواد الغذائية والأطعمة الفاسدة نفسها التي قبل مبلغا سخيفا للموافقة عليها؟ وما يعنيه ذلك من خسارة مادية وصحية له ولأسرته؟ وبالتالي المسألة ليست أمانة بقدر ما هي منطق عملي! وليس مهما هنا ذكر رد فعل المفتش.
ما نود التطرق إليه من هذه المقدمة الطويلة يتعلق بالحملة الشرسة التي شنتها القبس منذ فترة على تجار ومستوردي المواد الغذائية، وربما لا تزال الحملة مستمرة، والتي صورت فيها البلد كأنه مليء بالحرامية والأفّاقين، وقد تكون هذه هي الحال، ولكن المؤلم أن الصالح عادة ما يذهب مع الطالح، وقد يأتي يوم يصبح الكل سواسية في الغش، ونخسر جميعا.
وإلى مقال الغد.
أحمد الصراف
[email protected]
www.kalamanas.com
الحكومات تذهب… وتبقى الشعوب
طرح الكاتب وحيد عبدالمجيد، في صحيفة «الاتحاد» الإماراتية، مقالاً عميق المعاني بعنوان: «ديمقراطية عربية بدون ثورات»، ولعل الكاتب أخضع التجربة المغربية تحت المجهر، انطلاقاً من الاستفتاء على الدستور المغربي ليقول (إن التغيير ممكن عبر الإصلاح التدريجي، وإن الانتفاضات والثورات الشعبية الجذرية ليست الطريق الوحيد للتحول نحو الديمقراطية في العالم العربي)، لكن الكاتب قال أيضاً، استناداً على التجربة المغربية، إن العاهل المغربي (تفاعل) مع المطالب الديمقراطية التي طرحها بعض الشباب عبر «الإنترنت»، حيث اعتبر الكاتب مطالبات الشباب جاءت اقتداءً بمجريات الحركات الشبابية كما هو الحال في دول المطالبة بالحقوق المشروعة، والموسومة بمسمى (الربيع العربي).
لقد اتجه الكثير من المفكرين والكتاب إلى بحث أساس ومنطلقات المد الشبابي العربي الجديد المطالب بالتحول نحو الديمقراطية… من قاعدة أن الحكومات تسقط… وتعيش الشعوب، حتى أن الكاتب وحيد عبدالمجيد، بطرحه للنموذج المغربي أشار إلى هذه الجزئية، بقوله (إن تحول هذا النمط المغربي إلى نموذج عربي يتطلب استمرار المنهج الإصلاحي على مختلف المستويات، من الدستور والسياسة إلى المجتمع والاقتصاد، وفتح أبواب المؤسسات أمام الشباب الذي مازال بعضه غاضباً حتى لا يبقى الشارع ملجأه! إنه نموذج التحول الديمقراطي بدون ثورات، ذلك الذي يمكن للمغرب أن يقدمه في الفترة المقبلة». (انتهى الاقتباس).
ولعلني أنقل للقارئ الكريم أيضاً رؤية الكاتب شاكر النابلسي (منتدى الحوار المتمدن)، الذي ناقش الكثير من الأفكار التي وردت في كتاب أستاذ علم الاجتماع في جامعة البحرين، الباحث والمفكر البحريني باقر سلمان النجار، الذي حاز كتابه «الديمقراطية العصية في الخليج العربي» على جائزة الشيخ زايد آل نهيان للكتاب، فالنابلسي طرح سؤالاً مهماً: «هل الديمقراطية في الخليج العربي عصيّة حقاً؟»، ليسترسل في القول إننا ندرك إشكالية الديمقراطية في الخليج العربي خاصة فهي إشكالية اجتماعية، قبل أن تكون إشكالية سياسية! بمعنى أن تحقيق الديمقراطية في الخليج، أو في أي بلد على سطح هذه الكرة، لن يتم إلا إذا شعر جميع المواطنين دون استثناء، أن هذا الوطن هو وطن الجميع، وهو مُلك الجميع، وليس وطن أو مُلك فئة معينة من الناس، وأن دولة الوطن، هي دولة الجميع، وليست دولة فئة معينة من الناس، وهذا هو الأساس الذي يقوم عليه المجتمع المدني الحديث، ويقضي هذا الأساس، إقامة نوع من الاتفاق أو «العقد الاجتماعي»، الذي يساعد الشعب على الانتظام في دولة واحدة، وبذا يكون المجتمع المدني بكل بساطة – كما يقول عالم الاجتماع العراقي فالح عبدالجبار في كتابه «المجتمع المدني في عراق ما بعد الحرب»، ص 11» – «هو كل تجمع بشري خرج من حالة الطبيعة (الفطرية) إلى الحالة المدنية، التي تتمثل بوجود هيئة سياسية قائمة على اتفاق تعاقدي… وبذا، فإن المجتمع المدني هو المجتمع الذي يُعبِّر عن كل واحد فيه، وهو كلٌ يضمُ المجتمع والدولة معاً. (انتهى الاقتباس).
ولكن، ما هو المقدم في الولاء، هل الولاء للأوطان، أم للحكومات؟ وخصوصاً في ظل وجود من يروّج لفكرة أن (من لا يحب الحكومة، فهو خائن للوطن) مع الفارق الكبير بين الحكومات والأوطان… الولاء للأوطان قطعاً، وليس للحكومات التي تُستبدل وتبقى الأوطان والشعوب.
وفي هذا المحور، يرى الباحث عبدالفتاح ماضي (منتدى المعرفة) في بحثه القيم: «بناء النظم الديمقراطية العربية»، أن من أهم أولويات ومطالب الحراك الشعبي العربي الراهن التي تحتاج إلى معالجات سياسية ودستورية مسألتا الإرث الاستبدادي الذي خلفته نظم حكم الفرد، والحالة الثورية وتصور البعض أنه بالإمكان تحقيق كل شيء عبر النزول إلى الشارع… هذا بالطبع بجانب إشكالية الهُوية والمرجعية العليا للنظام السياسي، وأوجه الفساد والإفساد، وضعف النخب السياسية، ودور المؤسسة العسكرية، وعدم ثقة الناس في السياسة والسياسيين، إلا أن مقابل هذا الطرح، يرى كاتب آخر هو باسم الجسر في مقالته: «(الطريق الصعب إلى الديمقراطية – صحيفة «الشرق الأوسط» – 20 يوليو/ تموز 2011)، فالأخير يرى أنه يمكن أن تنطلق جهود معالجة الإرث الاستبدادي من تعريف الديمقراطية من حيث هي ترتيبات مؤسسية وآليات لضمان الحكم الصالح عن طريق تقييد سلطة الحكام وتعزيز مشاركة الجماهير في الشأن العام.
ويأتي على رأس هذه الآليات والترتيبات استقلال القضاء عن السلطتين التنفيذية والتشريعية استقلالاً تاماً، وقيامه بدور الرقابة القضائية في تقييد سلطة الحكام من خلال دور مجلس الدولة والقضاء الإداري في الرقابة على مشروعية أعمال السلطة التنفيذية ومنع تعسف الإدارة في تنفيذ القوانين، ودور المحكمة الدستورية العليا في الرقابة على دستورية القوانين للحيلولة دون مخالفة البرلمان نصوص الدستور.
أما ثاني هذه الترتيبات فهو تجنب النظم الرئاسية على النمط الأميركي، فهي لا تصلح للدول العربية نظراً للإرث الفردي والخوف من تشكيل مراكز نفوذ جديدة حول الرئيس الجديد. ولهذا فقد يكون تبني النظام شبه الرئاسي هو الأنسب نظراً لحاجة هذه الدول إلى انتقال سلمي واضح للسلطة لرئيس منتخب، وحاجتها، في الوقت ذاته، إلى تقسيم السلطة التنفيذية بين الرئيس المنتخب والوزارة التي يجب أن يشكلها حزب (أو أحزاب) الأغلبية في البرلمان الذي يقوم بدوره بمراقبة أعمال الوزارة، ومع تحديد واضح لصلاحيات كلٍّ من الرئيس والوزارة.
ويطرح الجسر محوراً مهماً يتعلق بوسائل تمكين الشباب، والمواطنين بشكل عام، من ممارسة السلطة، عن طريق تبني النظم الجديدة بعض مظاهر الديمقراطية، فبجانب استخدام أسلوب الاستفتاء الشعبي مع وضع الضمانات اللازمة لحصره في القضايا الجوهرية ومنع إساءة استخدامه لتجاوز دور البرلمان، يمكن تبني الاقتراح الشعبي الذي يسمح للناخبين باقتراح مشروع قانون ورفعه للبرلمان لمناقشته فإذا تم إقراره أو رفضه، يعرض على الشعب لاستفتائه فيه، كما الحال في سويسرا وكندا.
الجانب المهم، كخلاصة، هو أن الديمقراطية الحقيقية تسهم في إعادة ثقة الناس بالسياسة، وفي دفع المواطنين إلى الاهتمام بالشأن العام وزرع الأمل فيهم بإمكانية تغيير السياسات والأشخاص، بجانب تحسين أداء الحكام ونوعية الحكم الديمقراطي… وخلاصة الخلاصة: العدالة الإجتماعية التي هي ضالة الشعوب المحرومة منها… فالحكومات المستبدة ستسقط حتماً، أما الشعوب فهي الباقية وستحقق تطلعاتها.




