محمد الوشيحي

مصروف إبل الحكومة

"مالك ومال البداوة يا حكومة"…

في لهجة القبائل يقال "فلان بدوي وأخوه حضري"، ويتحدث قبليٌّ عن ابنه: "ابني الدكتور أحمد تَبَدْوى"، أي أصبح بدوياً، ويتذمر قبَليّ آخر: "لولا الغلاء الفاحش لتبَدْوَيْت". والبداوة في لهجة القبائل ومفاهيمها تعني "امتلاك الإبل"، فقط، لا شيء آخر. لا علاقة للبداوة بالعِرق والنسب، ولا بامتلاك الأغنام، ولا بـ"القنص" ولا بالصقور، ولا ولا ولا. وقد تكون بدوياً وأنت سفيرٌ في واشنطن، أو في جنيف.

ومع دخول بعض أثرياء الخليج حياة البداوة، ارتفعت الأسعار، فتخلّى البسطاء عن البداوة، وباعوا إبلهم. بعضهم باعها بخسارة.

وما أجمل ذاك المواطن الخليجي الجميل الذي التقيته في "فيينا"، وحدثني عن أحد سكان منطقتهم، طيب الطوية بسيط الفهم محدود التفكير، عندما قرر أن يتوب إلى الله من الفساد، ومن "روسيّات" المراقص، فأعلن الاقتداء – حسب فهمه – برسول الله صلى الله عليه وسلم في كل صغيرة وكبيرة، فأطال لحيته وقصّر ثوبه، واستغنى عن فرشاة الأسنان، واستبدلها بالمسواك، واستبدل "الكنبات" بالحصير، واستغنى عن "الموبايل" ووو… ثم "في فجأة" قرر اقتناء "ذلول"، اقتداء بالنبي المصطفى.

ويستكمل جليسي الخليجي القصة بأسى، وأنا أكاد أموت من الضحك الحزين: "لأنه وزوجته وأولاده يسكنون مع أبيه، فقد أخلى إحدى الغرف لتكون محل إقامة الناقة، فرفض أبوه بشدة، ونهره وزجره، وعبثاً حاول إفهامه أن الدين ليس بالمظاهر، لكن صاحبنا ركب رأسه، فاحتد بينهما النقاش، فطرده أبوه من البيت، فغادر صاحبنا وحيداً وراء ناقته، يطعمها ويسقيها، فهمس في أذنه هامس: (الرسول لم يكن يطعم ناقته علفاً، فمنع صاحبنا عنها العلف، وأخذها إلى الصحراء بحثاً عن المرعى، وهناك رأى ما لم يرَ المعارضون في سجون صدام، إذ شحّ المرعى، فلم تجد الناقة ما تأكله، وأتعبها التنقل الدائم، وأهلكها جهل راعيها في التعامل معها، فهزل جسمها واستوطنتها الأمراض، فجلب لها طبيباً بيطرياً، وتغيّب أياماً عن مقر عمله، وازدادت المشاكل مع مسؤوليه فأوقفوه عن العمل، فاستدان ليرعى ناقته، وكثرت الديون عليه، ووو…، ولا أدري ما الذي حصل له بعد ذلك".

عوداً على بدء، أو بلهجة الصعايدة "يرجع مرجوعنا" إلى حكومتنا التي "تبدوَت"، فاقتنت "رعية" من الإبل، أسمتها "رعية العقلاء". ولجهل حكومتنا بالبداوة، لم تحسب حساب المصاريف الشهرية الباهظة للإبل، ولم تكن تدرك أن العناء يبدأ بعد اقتناء الإبل لا قبله. لذلك فغرت الحكومة فاها دهشة، وارتسمت على جبهتها علامات تعجب لا حصر لها، بعد أن ازدادت مصاريف "رعية العقلاء"، وبعد أن تزاحمت الإبل على أحواض المياه، فهذا بعير "أوضح" يريد تعيين مدير جامعة من أنصاره، فتعارضه ناقة "مجهم" وتطلب تعيين أحد المحسوبين عليها، ويعارضهما بعير "أصفر"، وتتعارك الإبل على "حوض الجامعة"…

وتأتي من هناك ناقة "صفراء" لم تكتفِ بتعيين بعيرها وتطمع في "حوض الفتوى والتشريع"، فيزاحمها بعير "مجهم"، ويتعاركان على الحوض. ويَهدر بعير "أملح" يريد الاستحواذ على "حوض مشاريع بوبيان" وعلى "حوض هيئة سوق المال"، فيغضب البعير "الأشعل"، أكبر "البعارين"، الذي نفخه الغرور فنسيَ نفسه وظنّ أن "خفّه" أكبر من الأرض التي يمشي عليها… وارتفع الغبار…

ياااه… دوشة… ولو كنت مكان الحكومة لعرضت إبلي كلها في السوق منذ اللحظة، ولاقتنيت "كم حمامة". شفيه الحمام. حلو ومريح. رأس ماله "محكر" فوق السطح وحبوب من الجمعية، "ولا معابل هالبعارين والنياق التي استحوذت على مصروف العيال والبيت".


سامي النصف

فاروق الزنكي وشريان حياة الكويتيين

إن كانت مصر هبة النيل فالكويت قطعا هي هبة النفط، فقد شاءت الأقدار ونوايا أهل الكويت الخيرة أن يكتشف الذهب الأسود في باطن أرضنا مع انحسار الطلب على اللؤلؤ وتوقف تجارة السفن الخشبية البطيئة، لذا فلدى الشعب الكويتي رغبة حقيقية في أن يبعد شريان حياتهم عن قضايا التسييس والتناحر والصراعات التي لا تنتهي.

إحساسا بالمسؤولية قمت بسؤال كثير من المختصين عن القيادات النفطية ووجدت أنه لا خلاف على كفاءة وأهلية المهندس والجيولوجي فاروق الزنكي على قيادة القطاع النفطي الى مستقبل مشرق بعد أن مزقته الصراعات وأضاعت فرصته الذهبية التخندقات، لذا استبشر العاملون في ذلك القطاع بذلك القدوم خاصة انه لا ينتمي إلى توجه سياسي معين بل ينتمي إلى ما يسمى التكنوقراط شديدي الاحتراف.

فقد تولى الزنكي خلال سنوات خدمته الثلاثين منصب مساعد العضو المنتدب للاستكشاف والتطوير، ثم رئيسا وعضوا منتدبا لشركة نفط الكويت، وبعد ذلك أصبح رئيسا وعضوا منتدبا لشركة البترول الوطنية، وقد أظهر في جميع تلك المراكز كما علمت قدرات متميزة ساهمت في جانب منها في رفع إنتاجنا النفطي من حقول الشمال إلى أضعاف مضاعفة دون الحاجة إلى المشاركة الأجنبية ولم يشكك أحد قط في قدراته الفنية أو ذمته المالية طوال سنين عمله، فما حدا ما بدا هذه الأيام؟!

ومعروف ان اللجان التي تشكل في الدولة هي لجان «استشارية» وما تخرج به هو «توصيات» وليست أوامر واجبة التنفيذ حيث ان الوزير المعني ومجلس الوزراء هما الجهة المختصة بالتعيين في المراكز القيادية في الدولة وهما من سيحاسب – لا اللجان – على إنجاز أو إخفاق من سيتم تعيينه وتلك أمور بديهية ما كان لها أن تفوت من قبل الدخول في لجان التقييم وغيرها.

أما حكاية البيت المملوك لشركة النفط وليس لفاروق الزنكي والذي تم إصلاحه ورفع مستواه بمبلغ 200 ألف دينار كي يليق برئيس مجلس إدارة شركة نفط الكويت وزائريه، أياً كان الرئيس، والذي قامت الجهة المختصة بالشركة بعمله بعد موافقة الجهات المعنية فإن طرح موضوعه في هذا الوقت بالذات يعني أمرين محددين.. أولهما أنه لا مآخذ مالية حقيقية على ذلك القيادي الذي تقلد أعلى المناصب النفطية وكانت تحت يده قرارات صرف بمئات الملايين فلا يجد أحد عليه إلا عملية إصلاح بيت تملكه الشركة، الثاني ان هناك استقصاداً مسبقاً واستهدافاً للمهندس الزنكي قد يكون وراءهما مصالح شخصية وأضرعة يخشى بعض ماصيها عليها من الجفاف.

آخر محطة:

 (1) نرجو أن يسعد العاملون بالقطاع النفطي بخبر يحسم الخلاف والتردد ويثبت المهندس فاروق الزنكي في الموقع القيادي الذي يستحقه وأن يصطف بعد ذلك الجميع خلفه حفاظا على ثرواتنا النفطية ثم تأتي المحاسبة بعد العمل لا قبله، فالحكم الذي يصدر قبل المداولة ظالم ولا قيمة له.

(2) نرجو أن نتوقف عن إدخال لعبة إما العربي أو القادسية في قضايانا المصيرية والإدارة النفطية على رأسها، فتعيين الزنكي لا يعني إطلاقا الطعن أو التقليل من عمل سلفه الشويب الذي له الشكر على ما قدم وأنجز وحان الوقت لزميله لإكمال المسيرة.

احمد الصراف

أنقذ حياة من تحب

لقي كامل أفراد أسرة كويتية مصرعهم في حادث مرور مروع قبل فترة، وورد في التقارير أن السبب يعود لانفجار أحد إطارات السيارة، وهذا النوع من الحوادث يتكرر يومياً تقريباً على طرق دول خليجية، حيث يبدو ان قلة تهتم بمتطلبات السلامة، أو تتفهم أن جودة الإطارات وصيانتها مع نظام فرامل محكم، أهم بكثير من لون المركبة ونظافتها ومميزاتها الأخرى، فأفضل المركبات واغلاها، يمكن ان تتسبب في قتل صاحبها ان لم يهتم بصلاحية إطاراتها، وحيث ان الصيف مستمر طوال العام لدينا، والحرارة هي الخطر الأكبر على الإطارات، فعلينا الاهتمام بهذه المسألة! وان كنا حقا نحب زوجاتنا/أزواجنا، ابناءنا، ووالدينا فيجب ألا نكتفي باظهار تلك المحبة بزيارتهم وتقبيلهم، بل علينا مساعدتهم في التأكد من صلاحية إطارات سياراتهم، وسياراتنا، والمساهمة في انقاذ حياتهم، فهذا هو الحب الحقيقي!
اهتمامنا بما هو مدون في إطار أي سيارة لا يزيد عن اهتمامنا بما يدون عادة في كتيبات أي آلة نشتريها، ولكن عدم معرفة كيفية تشغيل جهاز فيديو أو هاتف نقال أو تلفزيون بطريقة فعالة لا يمكن ان يتسبب بمصرعنا، ولكن الجهل بمواصفات إطار السيارة المناسب قد ينتج عنه أوخم العواق‍ب!
أولاً: يوجد في كل إطار حرف من الحروف التالية: J.K.L.M.N.P.Q.R.S.T.H، والحرف الأول J يعني ان هذا الإطار غير صالح لسرعة تزيد عن 100 كيلو/ساعة، والحرف الثاني K لسرعة لا تزيد عن 110، وهكذا مع بقية الاحرف، وبالتالي علينا اختيار الإطار المناسب لسرعاتنا المعتادة، اما الحروف C.B.A فيعني الحرف A ان الإطار مصنوع للمناطق الحارة كالكويت، اما حرف B فهو للحرارة الأقل، وكل إطار يحمل حرف C يكون عادة الأرخص والأخطر للاستخدام في الكويت والدول الحارة!
وعلى الرغم من أننا جميعاً نحرص على ان تكون السيارة نظيفة كل يوم فإننا نادرا ما نفحص ضغط هواء إطاراتها، وهذا مطلوب القيام به مرتين شهرياً، وعادة ما تدون هذه التفاصيل في الجزء الداخلي من باب السائق، وألا ننسى فحص الإطار الاضافي، كما علينا فحص جودة الإطارات من الخارج واستبدالها بصفة دورية، حتى وان كانت تبدو لنا جيدة، وفي الجزء المخصص لنوعية الإطار نجد الحروف التالية P، وهذه مصنعة لسيارات الركاب، وL T للشاحنات.. وهكذا. ومن المهم عدم شراء الإطارات المستعملة، ولا المعاد تصنيعها، وتجنب دائما الرخيصة الثمن، والحرص في التعامل مع وكيل معتمد يقبل استبدال الإطار في حال ظهور خلل فيه.
أما أهم المواصفات التي علينا اعطاؤها الأهمية القصوى، فتتعلق بتاريخ الصنع، وينصح بعدم شراء إطارات تزيد أعمارها عن ثمانية أشهر أو حتى أقل، ويمكن قراءة تاريخ الانتاج على الإطار، ويدون عادة بأسبوع وسنة الانتاج، فاذا كان الرمز في الإطار 038 فهذا يعني انه صنع في الاسبوع الثالث من عام 2008.
واذا كان الرمز 3706، فانه يعني الأسبوع 37 من عام 2006، واذا كان الرمز 2510 فهذا يعني الاسبوع 25 من عام 2010، وهكذا، وبامكان اي بائع إطارات المساعدة في قراءة تاريخ الانتاج.
* * *
• رثاء أخ كبير: أكتب هذا الرثاء فيك يا كبيرنا وأنا خارج الكويت، وبعيد عن واجب تقديم العزاء فيك لأهلك وأحبتك، وما أكثرهم. لقد كنت مدرسة بذاتك، مهذبا بخلقك، متواضعا في تصرفاتك، لم أعهدك يوما، وطوال أكثر من أربعين عاما، ظالما لأحد أو مسيئا لأي كان في كتاباتك أو علاقاتك، فقد كنت دائما خصما شريفا وناقدا مهذبا، وسنفتقدك كثيرا يا أيها الراحل الكبير، يا ضمير الكويت الذي تركنا قبل الأوان.

أحمد الصراف

مبارك الدويلة

اتركوا السعوديين في حالهم

ساءني جدا ما كتبه البعض عن المجتمع السعودي في هذه الصفحة منذ يومين من تشويه متعمد لطبيعة هذا المجتمع وثوابته، واظهاره بالمجتمع المتخلف الذي يعيش في العصر الحجري، ولا أريد أن أناقش هذا التجني غير المبرر على الأشقاء في السعودية، فلديهم من المثقفين والكتاب والصحافيين ما يكفيهم للدفاع عن ثوابتهم وخصوصياتهم ولا يحتاجون الى مثلي للقيام بذلك، كما ان لديهم في الكويت سفيرا يدرك كل شاردة وواردة ويفهم أن ما كتب هو فزعة ليبرالية لتغيير نمط مجتمع محافظ – هذا اذا احسنا الظن – واذا أردنا ان نمارس مهنة النظرية التآمرية فان من كتب عن طبيعة المجتمع السعودي هم من تلك الفئة التي أزعجتها قوة التيار المناهض للفارسية وتمددها على حساب دول الخليج وأمنهم وثقافتهم، وهو تيار يسمونه بالوهابية تحجيما له. وكم كنت أتمنى أن يعالج هؤلاء مشاكل بلدهم بدلا من تسخير أقلامهم لمزيد من تصدع العلاقات مع دول الجوار، فنحن لم يعد باقيا لنا الا السعودية ودول الخليج، فلنحافظ على علاقتنا بها ان كنا نحرص على أمن الكويت ووجودها، ولنترك للأشقاء في المملكة ان يحددوا الطريقة التي يمارسون بها حياتهم، ولا نأتي لكل ناعق أو شاذ وننشر ما يقوله بدعوى انها صرخة من سعودي يعاني في مجتمعه.
* * *
ما كتبه أحدهم بالأمس في هذه الصفحة من علاقة الاخوان المسلمين بالحركة الدستورية وتشويه تاريخ أبناء الحركة وموقفهم من الغزو هو نتيجة الاخفاقات التي تعيشها جماعته هذه الأيام، وآخرها انتصارات التيار المحافظ في الجامعة وفي الهيئة العامة للتعليم التطبيقي، وقبلها ذلك الموقف المخزي لياسر الحبيب الذي فضح الكثير من المستور لولا فزعة عقلاء الطائفة ومعتدليهم لوحدة الصف الكويتي.
وأقول له ان موقف أبناء الحركة الإسلامية من غزو العراق للكويت لا يمكن ان تشوهه أنت وأمثالك، وأنصحك أن تتفرغ للكتابة المفيدة حتى نتفرغ معك ولا تشغلنا بقضايا ملّ الناس من تردادك وأمثالك لها، وكأن ما عندكم مأخذ علينا الا ربطنا قسرا تنظيميا بجماعة الاخوان المسلمين، تلك الجماعة التي تصبح عندها قزما اذا ما ذُكرت!!
* * *
لفتة كريمة
• محمد مساعد الصالح.. كتب عنه الكثيرون بما يستحق، وبما أنني عاصرته فترة من الزمن وسافرت معه لمدة شهر كامل فقد عرفته جيدا، وأريد أن أذكر ما شاهدت.. عرفته ملتزما بالصلاة في وقتها، عفيف اللسان، خفيف الدم صاحب نكتة لكنه غير بذيء، اذا عرف ان فكرته غير صحيحة لا يتردد في الرجوع الى الحق.. ليبرالي لكنه لا يتعمد تشويه خصومه ولا تحقيرهم، يا ليت جيراني بهالصفحة يتعلمون منه الكثير.. رحمه الله وغفر له وألهم أهله الصبر والسلوان.

مبارك فهد الدويلة

سعيد محمد سعيد

يوميات مواطن مرهق: الترقية

 

لا يعرف المواطن المرهق على وجه التحديد، ما هي الأسباب التي حرمته منذ سنوات من الحصول على الترقية المستحقة؟! لكنه يعلم في قرارة نفسه أنه بذل طيلة 20 عاماً من العمل قصارى جهده، حتى وهو يرى من يتوظف بعده، يتجاوزه بسرعة ليبقى هو (محلك سر).

ذات مرة، جلس على مكتبه وهو ينظر من الحاجز الزجاجي إلى مديره وهو جالس (يتفرفر)على مقعده الدوار و(يتكعكع)بين الفينة والأخرى، وتحدث في سره قائلاً لنفسه: «لو كان أبو فلان يحبني لكان وقف إلى جانبي ولو لمرة واحدة وطلب في تقييم آخر العام أن أحصل على درجة… ولو كان يحبني لكان قد رشحني للوظائف الإدارية الشاغرة التي توفرت وستتوفر أيضاً… لكنه لا يحبني! لكن لماذا لا يحبني؟ والله لا أعلم، بل ولا أستطيع أن أسأله أصلاً لأنني لا أملك الجرأة… أحسبه يعتقد أن الإدارة إدارة (جده) ورثها عن أبيه! يرقي من يشاء وحسب مزاجه، ويترك أمثالي لا حول لهم ولا قوة… الله ينتقم منه».

فجأة، وقف المدير صارخاً وملوحاً من وراء الزجاج: «أنت… تعالَ إلى هنا»… حمل المواطن المرهق نفسه ووقف أمام المدير: «نعم طال عمرك آمر»… فصرخ المدير في وجهه: «لماذا تدعو علي لأن ينتقم الله مني؟ لماذا تقول إنني أتحكم في الإدارة وكأنها ورث ورثته من أبي عن جدي… ها… هل تعتقد أنني لا أكون مديراً ناجحاً إلا إذا منحتك ومنحت من هم على شاكلتك من الموظفين والموظفات الترقية التي يطمحون إليها؟ هيا أجب».

من دون شك، وقف المواطن المرهق واجماً في غاية الاستغراب! فهو كان يحدث نفسه… فكيف التقط المدير ما كان يدور في قلبه من كلام؟ لا لا… لا شك أنها تهيؤات… وبالفعل، كان المواطن المرهق يتخيل…, نعم يتخيل وكأنه في أحلام اليقظة… كل ذلك المشهد كان من قبيل الأحلام والتخيلات، ففي الآونة الأخيرة، أصبح هو وبعض الموظفين يخشون الحديث عن أوضاعهم الوظيفية وعن حرمانهم من الترقي لئلا يركض أحد الوشاة من الموظفين والموظفات وينقل الكلام إلى المدير فيقع ما لا يحمد عقباه!

وهو يعلم أن الكثير من المسئولين أصبحوا يشجعون الوشاة، ويزرعون لهم عيوناً وآذاناً بين الموظفين لكي ينقلوا لهم ما يدور في الكواليس… وأولئك الوشاة، في الغالب، يحصلون على الترقيات والامتيازات والدلال والدلع حتى لو كان أداؤهم مثل وجوههم.

المواطن المرهق، كان يعلم جيداً أنه وغيره الكثير من الموظفين والموظفات… مساكين، محرومون من الترقيات لأنهم يعملون بكل إخلاص وأمانة من جهة، لكنهم لا يرتضون لأنفسهم أن يصبحوا كالدمى في يد هذا المسئول أو ذاك… فليس من شيمهم أو من أخلاقهم العمل كمخبرين في العمل ينقلون الأقاويل والافتراءات عن زملائهم وزميلاتهم إلى السيد المسئول المحترم الذي يعشق مثل هذا النوع من الوشاية بدلاً من معاملة الجميع وفق تكافؤ الفرص ووفق اللوائح الوظيفية التي تعطي كل ذي حق حقه… يتصرفون في إداراتهم وكأنها ملكاً لهم… غير أن المواطن المرهق قرر في لحظة من اللحظات أنه لن يسكت عن حقه، فهل سينجح، وهل سينجح أمثاله ممن يستحقون الترقيات فلا يحصلون عليها؟ ربما