محمد الوشيحي

عندما يتربس المخ


أحياناً يتربس الدماغ. يحرن كما يحرن الحمار البصراوي. تدفعه، تجرّه، تضع له البرسيم في يدك وتمشي أمامه كي يتبعك، ولا فائدة ولا عائدة. والكتابة تختلف عن أي شيء وعن كل شيء. فالمقالة قصيدة، والكاتب شاعر. ولا يشبه الكتابة الصحافية اليومية أو شبه اليومية، بصورة أو بأخرى، إلا المساجلة الشعرية التي تتطلب ذهناً أصفى خد اللي في بالي.

واليوم، كتبت ومسحت، وكتبت ومسحت، وكتبت ومسحت، إلى أن تجرّح لون صفحة الكمبيوتر، وشربت فناجين قهوة لو شربها دبّ في ألاسكا لبكى بكاء الثكلى ولتفنجلت عيناه، ودخّنت من السجائر ما لو دخّنها بركان آيسلنده لكحّ وتورّمت رئته، وذرعت الغرفة رواحاً ومجيئاً، ومشيت مشياً لو مشته إبل بني هلال لأصيبت بالكساح وشلل الأطفال. ولولا الخوف من الزميل الكردي ناصر العتيبي، سكرتير التحرير، لاعتذرت عن الكتابة اليوم.

ثم خطرت على بالي حيلة، وهي أن أكتب المقالة على شكل فقرات منفصلة، لمواضيع منفصلة، لا علاقة لموضوع بآخر، كما يفعل بعض الزملاء، من باب البحث عن الأسهل، أو أن أضع أخباراً وأكتب تعليقاتي عليها، فخجلت خجل العروس ليلة زفافها، وتذكرت جذوري اليمنية، وتذكرت أن اليمنيين هم أفصح مَن على ظهر الأرض ومن في بطنها، وهُم ملوك الكلام حديثاً ونثراً وشعراً. وكان «حسّان» التبّع اليماني، أي الملك المتبوع، ملك الملوك، مهووساً بالفصاحة والشعر والسجع، وكان يأمر جنوده أن يذهبوا إلى السوق ويأتوا بعشرة رجال، أول عشرة يمرّون من أمامهم، فيأمر العشرة هؤلاء أن ينظموا قصائد في الحال عن موضوع يختاره هو! فيقول مثلاً: «انظموا قصائد في حصاني»، أو «في غانيتي الجديدة»، أو «في المطر البارحة»، وهكذا، فينظموا، فيخلع عليهم، ولو كنت أنا معهم لخلع عليّ نعله. وكان أهل الجزيرة إذا امتدحوا فصيحاً قالوا «أفصح من يماني».. فكيف، وأنا سليل هؤلاء الكلمنجية الأفذاذ، يعجز نسر فكري عن التحليق على شواهق القمم، ويتحوّل إلى ديك كهل يغازل دجاجات الكلام فتنفر منه وتشتمه؟ 

سامي النصف

النخبة السياسية الفاسية

حضرت خلال اليومين الماضيين في مدينة فاس المغربية انشطة منتدى الاتحاد من اجل المتوسط، وجلست في ختامها أرقب حفل تكريم رجل الاعمال الكبير السيد عثمان بنجلون الذي حضرته النخبة السياسية الفاسية والتي تلاها قراءة الاعلان الختامي لمنتدى فاس السيد عباس الجراري مستشار جلالة الملك محمد السادس والذي تناول تحديات الثقافة والتعليم في الدول العربية ودول حوض البحر المتوسط.

 

وكنت قد شاركت قبل ذلك في طنجة بأنشطة اخرى اقامها السيد ابراهيم الفاسي الفهري نجل وزير الخارجية المغربي، كما تلقيت دعوة الشهر المقبل لأنشطة أصيلة المغربية التي ينظمها ويشرف عليها الوزير محمد بن عيسى والتي اكتسبت بعدا عربيا ودوليا عبر العقود الماضية، وجميع تلك الانشطة هي مطابخ اعداد وتحضير لقيادات مغربية شديدة الثقافة والاحتراف السياسي كحال الصديق د.عبدالحق عزوزي رئيس المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية والدولية ومدير عام مؤسسة روح فاس الداعية للانشطة الحالية.

 

والنخبة السياسية الفاسية المغربية هي طبقة محافظة شديدة الاحتراف في العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والخيري، ضمنها كبار الساسة وكبار رجال الاعمال وهم يتوارثون تلك الريادة الدافعة للاستقرار في المغرب منذ قرون وهي في جانب منها احد اسباب الانجاز المغربي المعروف رغم محدودية موارده مقارنة ببعض جيرانه، وقد وجدت في سيرة ابن فاس عثمان بنجلون عضويته في مركز الدراسات الاستراتيجية بواشنطن الذي يرأسه هنري كيسنغر، كما قام عدد من رؤساء الدول وكبار الساسة في العالم بتسجيل كلمات تحية وود للمحتفى به مما يظهر البعد والاحترام الدولي لمكانته، كما تم استعراض المشاريع الخيرية التي قام بها ومنها انشاء اكثر من الف مدرسة في الارياف المغربية.

 

ان الكويت بحاجة إلى خلق شرائح سياسية واجتماعية واقتصادية شديدة الاحتراف والاحترام لا ينظر لمنضويها من خلال اصولهم العرقية او الطائفية بل يعمد لجعلهم من يقود العمل السياسي بمفاهيم راقية كحال الطبقة السياسية الفاسية ولا يعمدون لاشغال البلد بعداء بعضهم بعضا، كما لا تعمد الشريحة في شقها الاقتصادي الى غش وخداع البسطاء كوسيلة لتكوين الثروات المحرمة.

 

لقد دمرت الطبقة السياسية والاقتصادية الكويتية نفسها بخياراتها السياسية الخاطئة عندما اعجبت وفضلت انظمة الثوريات العسكرية العربية القمعية على زعامات كويتية تقليدية مسالمة، وهو في النهاية ضعف للكويت وضعف للقيم الخيرة فيها.

 

آخر محطة: صناعة النخب المحترفة والراقية في تعاملها والتي تصبح العظة والقدوة للشباب الصاعد يجب ان تمتد الى مناحي الحياة الكويتية المختلفة كالفنانين والادباء والشعراء والفقهاء حتى نمتلك في النهاية شخصيات يمكن ان نفاخر بها على المستويين العربي والدولي.

حسن العيسى

شيخ يقول أنا «معزب» والثاني يريد أن «يلسب»

ماذا يحدث في البلد؟! وزارة الخارجية الأميركية تُبدي قلقها من حبس سجين الرأي الأستاذ محمد الجاسم، وقال الناطق باسم الوزارة السيد كراولي: "قدرة مواطني أي دولة وصحافييها على بحث ومناقشة ونقد أفعال الحكومات بحرية وقوة لا تُهدِّد المصالح القومية… إنها تجعل الحكومات أفضل وأكثر عرضة للمحاسبة…"، كلام الخارجية الأميركية ونصيحتها لحكومتنا جميل، لكن من يسمع ومن يكترث عند "ربعنا"؟!
أما منظمات حقوق الإنسان الدولية فقد أخذت تتحدث بقوة عن قضية الجاسم، وقالت حسيبة الصحراوي نائبة مدير برنامج الشرق الأوسط لمنظمة العفو الدولية: "…إن الملاحقة الدائمة لمحمد عبدالقادر الجاسم تجعل الادعاء بأن الكويت تحترم حرية التفكير  والرأي نوعاً من السخرية…!".
تصريح حسيبة قوي ومؤلم للكويت، وحسبنا الله ونعم الوكيل، فلم نكُن بحاجة إلى هذا الصداع، وإن كانت تلك الانتقادات هذه المرة توجه إلى الدولة بسبب قضية رأي وممارسة عادية لحق التعبير… فماذا كان سيحدث لو أن السلطة عاملت مقالات الجاسم كأيِّ قضية عادية، يُساءَل صاحبها متى حملت كلماته سبّاً أو قذفاً في حق أيِّ فرد من غير الزج باسم الدولة وأمنها وترويع أصحاب الرأي بعظائم الأمور…؟ على ماذا يا سادة؟ وهل نحن بحاجة إلى كل ذلك؟ إضافة إلى هذا يبحث دفاع الأستاذ الجاسم مدى جواز "استمرار" حبسه بعد أن انتهت مدة الـ"21 يوما" للحبس، التي أمرت بها النيابة العامة، وبعد أن انتهى تحقيقها في التهم الموجهة إلى الجاسم، وستتم مقاضاة السيد وزير الداخلية لعدم مشروعية حبس الجاسم في سجون أمن الدولة، ولعدم استناد استمرارية الحبس إلى سند من تفسير صحيح لروح القانون، وهذا دفاع سيُثار أمام المحكمة، وسيصل إلى أسماع الناس ومنظمات حقوق الإنسان، وسيزيد الإحراج السياسي للدولة الكويتية في قضايا الحريات، ولا يمكن الحجر على وعي الناس بعدم النشر الإعلامي، فجلسة المحاكمة لم تكُن سرية، ولم يطلب الادعاء أو رئيس الجلسة سرّيتها، فماذا سيكون موقف الدولة بعد ذلك؟!
لديّ شعور بالغم واليأس مما يحدث، وتتملّكني مشاعر الحسرة على ما وصلت إليه الأمور، وتهيمن عليّ هواجس مقلقة لا بسبب قضية الأستاذ الجاسم فقط، وإنما لعدم اكتراث عدد كبير من نواب الأمة بما يحدث اليوم لحرية التعبير، ماذا أقول بعد كل ذلك؟ وماذا يحدث للديرة وأنا أسمع بين الحين والآخر عن "شيخ يقول أنا معزب وآخر يقول راح ألسب"؟!
ملاحظة: "اللسب" يعني الجلد بالعصا في لهجتنا الناعمة.

احمد الصراف

أول المرحلة الرابعة

«يا وابور قولي رايح على فين، يا وابور قولي مسافر فين
عمال تجري قبلي وبحري تنزل وادي تطلع كوبري. حود مرة وبعدين دوغري، ما تقول يا وابور، رايح على فين؟ صوتك يدوي وأنت بتدوي، والبعد قريب ناره بتكوي والأرض بساط وانت بتطوي، ما تقول يا وابور رايح على فين.. على فين؟»
***
نشأت في بيت كان الاستماع للموسيقى فيه قبل أكثر من نصف قرن، أمرا عاديا، وكان لأغاني فيروز وموسيقى عبدالوهاب المكانة الأكبر، ولهذا ربما تذكرت، وأنا أفكر في موضوع هذه المقالة، كلمات الأغنية أعلاه لعبد الوهاب، التي طالما «دندنت» بها، وأنا اتصفح فيض رسائل الإنترنت التي انهمرت علي من حيث أدري ولا أدري، والتي جاوزت المائتي رسالة، تضمن بعضها الشكر وأخرى السخط، وغالبيتها الحنق والغضب وحتى الحزن وعدم الرضا ورفض الواقع، وتمني الأفضل لي ولمجتمعي، وكل ذلك ردا على رسالة مقتضبة أرسلتها لهؤلاء الأصدقاء وغيرهم من أسماء في قائمة بريدي ذكرت فيها نيتي الغياب المطول عن الوطن، وأن مرحلة رابعة وأخيرة من حياتي قد بدأت للتو.
التواضع مهم، ولا ينقصني شيء منه، والشعور بالاعتزاز وبمحبة الآخرين أمر جميل ولكن الاعتراف بالحقيقة أكثر أهمية، حيث لم أعتقد يوما أو أشعر بأن لي كل هذه المكانة في قلب وفكر كل هذه المجموعة المتنوعة من البشر من الكويت والعراق والأردن وفلسطين ومصر والسعودية والبحرين وأستراليا وكندا ودبي وقطر وأميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وليبيا والمغرب وتونس ولبنان طبعا، ومن دول أخرى لا تسعفني الذاكرة على حصرها، فمعذرة للجميع.
الحق أنني مقبل على مرحلة رابعة وحاسمة في حياتي، والأرجح أنها ستكون الأخيرة، وهذا ما أتمناه. وقد اعترض بعض «المحبين» على كلمة أخيرة شفقة من جهة ولأن، برأيهم، من الاستحالة على الإنسان معرفة المرحلة الأخيرة في حياته!! ولكن هذا ليس أمرا دقيقا بالمطلق، فمن ينوي الموت انتحارا بعد شهر مثلا يعرف تماما ماهية المرحلة الأخيرة من حياته، ولست بالطبع واحدا منهم.
تجربة التواصل «الحميمة» التي أظهرتها تلك الرسائل كشفت أمورا كثيرة، شخصية غالبا، لم أكن أعرف بوجودها، خاصة بين أولئك الذين لم يسبق لي أن تعرفت عليهم او التقيت بهم من قبل، وهذا ما أعطاني أو وفر لي بعدا إنسانيا كنت في حاجة له وأنا مقبل على هذه المرحلة الحاسمة.
أكتب كل ذلك ليس فقط لأحدد مسار طريقي للسنوات المقبلة، بل وأيضا كطريقة للتحدث مع النفس وإلزامها بما كتبت، بل وأيضا لما تشكله هذه الكتابات الوجدانية من مادة أدبية لما سيأتي من كتابات.

أحمد الصراف

سعيد محمد سعيد

«الوفاق» الشجاعة… «الوفاق» الواثقة

 

منذ انطلاق التجربة النيابية في العام 2002 حتى اليوم، لم تتعرض كتلة نيابية أو جمعية إسلامية للهجوم الكاسح الدائم المستديم، كما تعرضت وتتعرض له جمعية الوفاق الوطني الإسلامية! ولم يتعرض نواب أو سياسيون للشتائم والافتراءات والانتقاص والتشكيك في النوايا، كما تعرض ويتعرض له نواب الوفاق، ومع ضراوة تلك الهجمة المستمرة، إلا أن «الوفاق» تبدو شجاعة واثقة، لم تتعرقل في سيرها بسبب الألغام المزروعة تحت أقدامها.

ماذا فعلت الوفاق؟ ماذا قدم نواب الوفاق؟ لماذا يا وفاق؟ مأزق الوفاق… فضيحة الوفاق… طائفية الوفاق… وكم هائل من المقالات الصحافية والتصريحات المضادة والحملات في المواقع الإلكترونية لا تستهدف سوى الوفاق.

وشهادة لله، فإن «الوفاق» عملت في صمت وبمنهجية وطنية مميزة لم تهزها عشرات المقالات الهجومية، فالذين لم يتمكنوا من تأليب الموقف الرسمي ضد الوفاق بقائمة متعددة الاتهامات أملاً في موقف متشدد من الحكومة ضدها، تحولوا بعد ذلك إلى الإكثار من الكلام حول اهتزاز شعبيتها وتزايد السخط عليها من قبل جماهيرها بعد أن وجدوا أن جهودهم في (تسويد وجهها في عين الدولة ذهبت هباءً) وأن قاعدتها الجماهيرية تتسع ولا تضيق، وخصوصاً مع تنامي قوة العلاقات بينها وبين السلطة التنفيذية في متابعة قضايا وملفات مهمة.

أما الذين كانوا يتهمون «الوفاق» بأنها تجاري الدولة وتسايرها على حساب مصلحة الوطن والمواطنين، أو لأنها لا تتحرك بشكل جاد لحلحلة القضايا المهمة وتقضي جل وقتها للعمل على مصلحتها، والقول بأن «الملف الأمني» وما يتعرض له الناس من قمع وتعذيب وسجن وقتل وانتهاك الحقوق، فإنهم يسارعون لإضعاف واستصغار أي تحرك تقوم به الوفاق في هذا الاتجاه، حتى مع علمهم بأنها تعمل وتبذل ما في وسعها من جهد حتى في أقسى الظروف.

ولهذا، فإن «الوفاق» أثبتت وطنيتها البحرينية من جهة، وسعيها لاستقرار الوطن والمحافظة على مكتسباته حين نقل عدد من نواب الوفاق بكل ثقة وأمانة ملفات مهمة في لقائهم صباح يوم الثلثاء الماضي الأول من يونيو/ حزيران الجاري مع وزير الداخلية الفريق الركن الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة، ومنها (القضايا التي تتصل بشئون الأمن بشكل عام كردود الفعل من قبل رجال الأمن على أعمال العنف، وعلاقة الوزارة بمنع بعض البحرينيين من دخول الدول الأخرى، ومنع دخول بعض المواطنين للموانئ، بالإضافة إلى الاستفسار عن آخر المستجدات بشأن قضية البحارة وحرية مزاولة المهنة في مياه الخليج، وكذلك موضوع التوظيف بالوزارة)، والوفاق تدرك أهمية لقاءاتها مع كبار المسئولين، وهي خطوة ليست جديدة، فالوفاق كانت على تواصل مع الوزراء والمسئولين لطرح قضايا المواطنين، شئنا أم أبينا.

ولا أعتقد أن الوفاق في حاجة لمن (يشهد لها)، وفي الوقت ذاته، لن تكترث بمن يحاول (التقليل من شأنها ككيان سياسي واجتماعي وديني في المجتمع البحريني)، ويكفي أن تقرير أملاك الدولة على سبيل المثال، وفعالياتها المدروسة وحجم المشاركة الشعبية فيها، تثبت أن الوفاق لن تكون في حاجة إلى دعايات انتخابية، كما يظن البعض، لكن، يلزمها أن تكون أكثر دقة هذه المرة لاختيار مترشحين بدماء ووجوه ومنهجية تفكير وأداء جديدة… ولا أشك في أنها لا تعجز عن ذلك، وستنجح بامتياز