سامي النصف

هل سمع أحد بموسيقار إرهابي أو انتحاري؟

هل منع تدريس الموسيقى بالمدارس يعني ان الطلاب والطالبات لن يسمعوا الموسيقى من خلال مذياع السيارة او على الفضائيات او الانترنت او داخل المجمعات التجارية والمطاعم في الكويت وخارجها؟! وهل الموسيقى التي تشذب الحس الانساني وترتقي به هي امر سيئ؟! ثم هل شهد أو سمع احد بموسيقار او محب للموسيقى قرر تفجير نفسه في الأبرياء عبر عمل ارهابي متطرف؟!

 

لقد دُرست الموسيقى للفتيات في الكويت منذ عقود فلم تتحول الكويتيات إلى راقصات كما يدعي احد النواب بل تحولن الى محافظات وأصبحن محجبات، ثم هل سنصبح الدولة الوحيدة في العالم التي يقرر بها أي ولي أمر أو نائب نوعية المناهج التي يجب ان تدرس للطلبة في المدارس العامة، فيقرر الأب العلماني عدم تدريس الدين، ويقرر الآخر عدم الرغبة في تدريس الشعر العربي وما فيه من غزل، وثالث عدم تدريس علوم الأحياء كونها تتحدث عن وظائف الجسد.. الخ، وأين سنصل عبر النهج المضحك؟!

 

إن المساحة الممتدة من صوان اذن الشاب اليمنى حتى اليسرى إما ان تملأ بما يجعلها تحب الحياة وتخلص في عملها كما الحال في الدول المتقدمة، فتفيد ذاتها ووطنها وتفيد الآخرين، او تترك لمن يملؤها بالأفكار الظلامية التكفيرية المتعصبة والمتطرفة التي تستبدل التعمير في الأرض بالتدمير فيها وقتل النفوس البريئة كما هو متفش في محيطنا العربي والإسلامي فأيّاً من الخيارات نود ونرغب؟!

 

قد زرت ضمن أنشطة حفل الذكرى العشرين لإنشاء مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين «دار الأوبرا المصرية» واستمعت لأشعار نظمها الصديق أبوسعود، وشدا بها ثلة من المطربين والمطربات، كما حلق بنا الموسيقار سليم سحاب بموسيقى وأغان جميلة طارت بنا فوق السحاب، حيث ترتاح النفس وتصفو من عناء هموم اليوم وسط صحبة طيبة من رجال الدين والثقافة والشعر والأدب، وكم نتمنى، بما هو أقرب للأحلام، إنشاء دور أوبرا ومجمع مسارح في الكويت كي نعود لعصرنا الذهبي.

 

وقد حضرت في نفس دار الأوبرا حفل مهرجان الموسيقى العربية الـ 18 الذي أرجعنا للطرب الأصيل والزمن الجميل عبر اغان مختارة لأم كلثوم وعبدالوهاب وفريد الأطرش وعبدالحليم وفايزة احمد ووردة الجزائرية، كما اشتريت من احدى زوايا الأوبرا اشرطة غنائية نادرة للحفل الغنائي العربي الاول الذي أقيم في القاهرة عام 1932 والذي مثل الكويت فيه المطرب الكويتي اليهودي صالح عزرا في أغنيته «يعاهدني ألا يخونني»، كما حصلت على شريط نادر تشدو فيه أم كلثوم بمنلوجات وطقطوقات وأغان منذ بداياتها الأولى لم نسمع بها من قبل.

 

آخر محطة (1): فيلم «ليلة في الأوبرا» الذي أنتج عام 1935 هو أحد أجمل أفلام الكوميديا للإخوة ماركس والذي أنصح بالحصول على مجموعة افلامهم التي «تفطس» من الضحك لتبديد سحب الكآبة السائدة هذه الأيام، الغريب ان بطلة الفيلم كيتي هارت توفيت قبل مدة قصيرة عن عمر يقارب المائة، والظاهر انها كانت تشاهد ذلك الفيلم الذي يطوّل العمر كل ليلة.

(2) سأل صحافي مايسترو كبيرا: «بصفتك علامة وخبير مختص في الموسيقى، فيك تقولنا رأيك في السيمفونية التاسعة لبيتهوفن؟»، فأجابه الموسيقار الكبير: «بيت مين لو سمحت؟».

احمد الصراف

قطعة الشوكولاتة وزواج الرضيعة

كان حصول دومينيكيا كوفلروفا على قطعة شوكولاتة من أختها نقطة تحول في حياتها، فقد كانت في ذلك اليوم تبحث عن موضوع تكتب عنه للدخول به في مسابقة عالمية للكتابة عن أهمية العمل، والتي سبق أن أخبرتها معلمتها عنها، فقد لفتت قطعة «الكاكاو» المغلفة بأناقة نظرها، وأخذت تفكر كيف وصلت الى يدها بشكلها الحالي، وأين كانت البداية! من قراءاتها وبحثها على الإنترنت علمت أن حبوب الكاكاو والقهوة تأتي غالبا من كينيا وزيمبابوي، وبما أنها لا تشرب القهوة وتحب الشوكولاتة فقد تتبعت مسار تلك المادة، وقادها ذلك الى حقيقة مؤلمة وهي ان من يعملون بالأعمال الجادة والشريفة لا يحصلون عادة على ثمن عادل مقابل عملهم، وتوصلت الى تلك النتيجة في تلك السن اليافعة من خلال قراءة قصة ذلك المزارع الكيني الفقير وأولاده الستة الذين كانوا مجبرين جميعا على العمل من ساعات الفجر الأولى وحتى المساء، ومع هذا لم يكن ما يحصلون عليه من ثمن مقابل عملهم في مزارع حبوب الكاكاو يكفي لسد رمقهم، وكانوا جميعا يعانون من سوء التغذية، ويعيشون بطريقة لا تليق بالبشر.
وتعلمت دومينيكيا أنه بفضل سياسة جديدة تتبعها بعض دول أوروبا الغنية، وتتمثل في الحرص على دفع ثمن عادل لمنتجات الدول الفقيرة، من خلال شراء المواد الزراعية الأولية من أسواق عالمية، انقلبت ظروف معيشة ذلك المزارع الكيني بشكل تام وأصبح بإمكانه إرسال ابنائه الى المدرسة واقتصار مهمة العمل عليه وعلى أكبر أبنائه فقط، ومع هذا أصبح يحصل على ما يكفيه من غذاء وكساء، كما أصبح بإمكانه ترميم بيته وجعله صالحا للسكن.
ومن خلال قصة ذلك المزارع كتبت التشيكية دومينيكيا، ذات الأربعة عشر عاما، رسالتها، ودخلت بها المسابقة الدولية، وأسر موضوعها قلوب محكمي الجائزة الدولية المرموقة في سنتها الثامنة والثلاثين، والتي تشرف عليها اليونيسكو ومنظمة العمل الدولية، وحصلت على المركز الاول بين مليون رسالة اخرى من 60 دولة، وكان الموضوع الذي اختارته، وهي في تلك السن الصغيرة، عن أهمية أن يحصل من يؤدي عملا محترما على ثمن عادل لجهده موفقا جدا، كما بينت أن القيام بذلك لا يساهم فقط في رفع مستوى معيشة شعوب الدول الفقيرة المنتجة للمواد الزراعية الأولية بل ويساهم ايضا في تعزيز السلم العالمي.
ويقول أحد محكمي الجائزة ان دومينيكيا استطاعت من خلال صفحة ونصف الصفحة تغطية مجموعة من القيم المتعلقة بالعمل الشريف وأهمية تعليم الاطفال والتضامن الاجتماعي والاهتمام بظروف العمل، مع تذكيرنا بواجباتنا بعضنا تجاه بعض. كما أنها بينت بطريقة سليمة ان تحسين ظروف عمل الآخرين يعطي حياتهم قيمة أفضل، وأن تقدير العمل المحترم هدف أساسي وهو في متناول أيدينا.
ولو نظرنا الى الرسائل العشر الأوائل أو الألف أو حتى للمائة ألف لما وجدنا بينها رسالة من منطقتنا، والعيب ليس في فتياتنا أو صبيتنا بقدر ما هو في أنظمة التعليم المتخلفة السائدة في بيئاتنا، والظروف الاجتماعية، وحتى الجنسية، القاسية التي تعيشها الغالبية العظمى من الفتيات من سن التاسعة وحتى مرحلة متأخرة من العمر بسبب تلك النظرة الدونية للمرأة، والتي حولتها من إنسانة ذات أحاسيس بالغة الرقي الى أداة متعة لا تختلف عن أي تسلية أخرى، فهي كالطيب والطعام، ان لم تكن في درجة أدنى، وصفحات صحف دول الخليج «الثرية»، وغيرها من دول المنطقة تمتلئ بأخبار اجبار الفتيات على الزواج في سن صغيرة، وهي الأخبار التي لم يكن أحد يوليها اي اهمية قبل سنوات قليلة، لكونها من الامور العادية، والغرب، نعم الغرب وقيمه الإنسانية، هو الذي لفت نظرنا للجرائم التي يقترفها بعض ابناء مجتمعاتنا، وما أكثرهم، في حق بعض.

أحمد الصراف